المحتوى الإعلامي الذي نريد

|

في المجالين الإعلامي والتعليمي، يشكل المحتوى أساسا وركيزة مهمة لابد منها لتشكيل العقول، وبناء الشخصيات السوية، وغرس لبنات الهوية التي يريدها المجتمع، وتمثله خير تمثيل؛ لذا تحرص المجتمعات على تصميم واختيار المحتوى الذي يحقق الأهداف المرسومة لمجالي الإعلام بوسائطه كافة، والتعليم متمثلا في المنهج المباشر، أو المنهج الخفي الذي لا يكون في العادة مباشرا، ذلك أن إيجاد الإنسان المؤمن، المتحضر، المتعلم، المثقف، المحترم للأنظمة، والمحافظ على الممتلكات العامة، يتطلب محتوى يتناسب مع هذه الأهداف.
ولعله من المناسب الإشارة إلى النسبية في تحقيق الأهداف؛ نظرا إلى التغيرات السريعة في ظروف الحياة المعرفية، والاقتصادية، والثقافية، والقيمية، مع ما تسهم به التقنية على الصعيد العالمي في تسريع التغيرات التي تتعرض لها المجتمعات عموما، والأفراد خصوصا؛ نظرا إلى صعوبة التحكم في نوع المحتوى، وطبيعته، وتوقيته، والفئة المستهدفة؛ إذ في زمن الفضاء المفتوح، يستحيل التحكم والتوجيه طالما المصدر خارج الحدود، وله مصالح في بث هذا المحتوى أو ذاك.
الهوية تمثل العمود الفقري والواجب توجيه جميع الجهود إلى تأسيسها بشكل سليم، بعيدا عن الشطط والتفريط، فتشكيل الهوية، وصيانتها، والمحافظة عليها، هدف كل مجتمع، تبذل من أجله الدول الأموال والجهود، وتوفر من أجله الإمكانات كافة، وفي حال الفشل في ذلك، تتشكل هوية هجين، نتائجها شخصية مهزوزة، غير واثقة بنفسها، بل قد تكون مضطربة تعاني أزمات نفسية؛ نظرا إلى حالة الصراع التي تعانيها نتيجة التناقضات المعرفية والفكرية، فالثقافات المستوردة حين تزاحم الثقافة المحلية، من المحتم أن النتيجة ستكون ضياع جيل الشباب، الذي غالبا يميل إلى التجديد والظهور بشكل مختلف لجذب الانتباه، خاصة في مرحلة المراهقة.
كيف نختار ونصمم المحتوى، خاصة الإعلامي؟ لكل محتوى أهداف وفئة مستهدفة، فالأطفال محتواهم قائم على اللون، والحركة، والصوت، وخير مثال على ذلك أفلام الكرتون؛ لما لها من جاذبية، إلا أنه لا يجب اعتبارها ترفيهية فقط، بل إنها أسلوب ناجح لغرس ما يراد غرسه من قيم ومكونات ثقافية، بل طريقة التفكير. لذا لابد من التأكد من المحتوى المتضمن في الفيلم أو الكتاب، فالصورة ثابتة أو متحركة تحمل فكرة يتفاعل معها المشاهد أو القارئ، ولا ننسى عدم قدرة الطفل الغض على التمييز بين النافع والضار. أما الكبار فحسب مستوى تعليمهم وثقافتهم وميولهم يكون المحتوى، فمنهم من تجذبه البرامج الحوارية المهتمة بالشأن العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومنهم من تستهويه البرامج الرياضية، وآخرون البرامج العلمية والصحية.
ما يُستقبل من محتوى من الخارج ليس - بالضرورة - كله سيئا؛ إذ يوجد فيه كثير من الإيجابيات، خاصة ما يتعلق بالبرامج العلمية، والاكتشافات، وبرامج الحياة الفطرية، إضافة إلى قضايا البيئة، والتغيرات المناخية، إلا أن افتقاد بعض المجتمعات - ومنها مجتمعنا - الخبرات الكافية في صناعة وبناء المحتوى، يحيلنا إلى مستهلِك شرس لمنتجات الآخرين، رغم ما قد يعتريها من سلبيات في محتواها، ما يؤكد حتمية التوجه الجاد نحو صناعة المحتوى الذي يخدم مصالحنا، بغض النظر عن الأوعية التي يقدم فيها، سواء كان كتابا، أو فيلما، أو برنامجا ترفيهيا، أو جادا.
من المؤكد أن هناك قواعد ومعايير، ومحددات تجب مراعاتها عند بناء المحتوى، إلا أنها لا تتحقق ما لم يستحضر القائم على صناعة المحتوى أو اختياره، فلسفة المجتمع، ويستلهمها، ويحرص على مراعاتها، والأخذ بمعطياتها العامة، أما لو تُرِك الأمر إلى من لا يعنيه ذلك، فالنتيجة محتوى ذو نتائج سلبية، ومما تجب مراعاته الجوانب الفنية، كأن يكون المحتوى جذابا في موضوعه، أو طريقة عرضه، أو المشاركين فيه، وكذا الفائدة المتوقعة وواقعيته، أي لا يكون مجردا مملا، إضافة إلى الجدة وتنوع المحتوى؛ حتى لا يمل المشاهد أو القارئ وينفر منه، ولعل قلة مشاهدة بعض القنوات الفضائية، وكثرة مشاهدي قنوات أخرى؛ بسبب ما يلمسه المشاهد من روتينية في العرض، وضحالة في المعلومات، وتكرار لبعضها، وافتقاد الموضوعية في أشياء أخرى.

إنشرها