مخاطر الأسواق .. التحدي القادم للشركات السعودية

|
إلى وقت قريب، قلما نجد من يلقي بالا من أصحاب القرار في الشركات السعودية لمفهوم الآثار المترتبة على مخاطر الأسواق العالمية. كما أن حال استقرار بعض الأسواق المعنية هنا أسهم بشكل كبير في الوصول إلى هذه النتيجة، وأخص هنا بالتحديد مخاطر سعر الإقراض للريال السعودي وتذبذب أسعار صرف بعض العملات التي تكون هذه الشركات في الأغلب عرضة لها. في البداية يجب أن نسلط القليل من الضوء على المفهوم العلمي لمخاطر الأسواق، وهي مخاطر الخسارة النابعة من عوامل مؤثرة في السوق بأكملها أو في فئة محددة من الأصول. ما يضيف بعضا من التحدي في التعامل مع هذه المخاطر هو حقيقة كونها مخاطر لا يمكن التخفيف منها عن طريق تنويع محفظة الأصول ومصادر الدخل فحسب، وذلك بسبب كون تأثيرها في الأغلب عاما ولا يمكن التنبؤ به أيضا. هناك أربعة مصادر رئيسة تؤثر في الأسواق بشكل شامل وهي مخاطر أسعار الفائدة، ومخاطر أسعار صرف العملات الأجنبية، ومخاطر التذبذب في أسعار السلع، ومخاطر التغير في أسعار الأسهم. لعلنا نركز في هذا المقال على أول مصدرين لأهميتهما في هذا الوقت بالتحديد وعدم تغطيتهما أيضا بالشكل المطلوب عند صناع القرار في بعض الشركات. وفي هذا الصدد جدير بالذكر أهمية مشاركة أصحاب القرار في الشركة في تحديد المستوى الأقصى لتحمل المخاطر، والنظر إلى العوائد المعدلة بعد أخذ المخاطر المرتبطة بها بعين الاعتبار، واختيار المستوى الأمثل في المخاطر المضافة الذي من شأنه في نهاية المطاف زيادة ربحية الشركة. ولذلك فإنه حري بالشركة أن تقوم بتطوير سياسة تحوط خاصة للتعامل مع مصادر الخطورة المالية المذكورة أعلاه والمؤثرة في الأسواق والاستمرار في تقييم مواءمتها مع أهداف الشركة بشكل دوري في ظل التغيرات السوقية السريعة. وعند النظر في ظروف اقتصادنا الحالية، فالسعودية دون شك تمضي قدما في خطة طموحة وضرورية نحو تنويع مصادر الدخل وتحقيق التوازن المالي في الفترة الممتدة حتى عام 2023. وكما هو الحال في أي دورة اقتصادية تتضمن حزمة إصلاحات اقتصادية من رفع لأسعار الطاقة وفرض رسوم على الوافدين وضريبة القيمة المضافة ورسوم على الأراضي البيضاء وغيرها من أهداف برنامج التوازن المالي، يعيش كثير من الشركات في السعودية حقبة جديدة من التحديات الاقتصادية. هذه التحديات ألقت بظلالها على الهوامش الربحية عند بعض الشركات ولامست ثقة المستهلك وأجبرت كثيرا من الشركات على التفكير الجاد في تموضع استراتيجي جديد للتعامل مع هذه الرياح العاتية أو الخروج من السوق بالكلية كما هو حاصل في العامين المنصرمين. وفي تقدير بسيط نجد أن من أفضل من تعامل مع هذه التحديات هي شركات ذات حوكمة وأسس سليمة. وهي شركات تمتلك نظرة بعيدة المدى وإطارا واضحا في إدارة المخاطر المالية. وفي هذا المجال نجد شركات استطاعت وبجدارة التعامل مع ارتفاع سعر الإقراض للريال السعودي "السايبور" على معدله في السنوات الخمس الماضية بقرابة 78 في المائة، وتغلبت شركات محلية لديها تعاملات ضخمة مع شركات في دول الاتحاد الأوروبي ومتعرضة لسعر صرف اليورو على ارتفاعه الذي ناهز 17 في المائة، في أقل من سنة في أوائل 2017 وغيرها من الأمثلة الناجحة التي لا يسع هذا المقال ذكرها. هذا النوع من المخاطر كما أسلفت سابقا يصعب التخفيف من تأثيره عن طريق آليات التنويع المعروفة بل يكاد أن يكون مستحيلا، وهو سبب رئيس وإضافي في خفض هوامش الأرباح وتحقيق الخسارة في بعض من الحالات ولنا على هذا الصعيد في بعض نتائج الشركات المدرجة في السوق السعودية خير مثال على ذلك. وفي علم إدارة مخاطر الأسواق، نجد أن هذه المخاطر يمكن التعامل معها فقط عن طريق آليات التحوط. والتحوط في الأساس نوعان، النوع الأول يتجلى في إدارة الميزانية العمومية للشركة بطريقة تسهم في إيجاد سياسة تحوط طبيعية من خلال مطابقة عامل التذبذب في كل من الأصول والخصوم. والنوع الآخر ويعتبر محاسبيا خارج الميزانية العمومية ويكون عن طريق التعامل المناسب والحذر مع المشتقات المالية التي من شأنها أن توجد أثرا تعويضيا في قوائم الشركة المالية، وعن هذا النوع يطول الحديث وتكثر المناهج وقد يكون من الأحرى التفصيل فيه في مقالات لاحقة. ففي العودة إلى عنوان هذا المقال، أود أن أدعو كل الشركات السعودية المنكشفة على هذا النوع من المخاطر إلى أخذها بعين الاعتبار وقبول التحدي مع البدء في بناء أهداف واضحة المعالم من شأنها حماية مؤشرات الأداء الرئيسة لدى تلك الشركات واستمرارية أعمالها بسلاسة أمام إمكانية حدوث أي صدمات في الأسواق هي في هذا الوقت بالتحديد في غنى عنها.
إنشرها