التغير المناخي أكبر تحد صحي

|
اعتبرت منظمة الصحة العالمية ــ في تقرير صادر أخيرا ــ أن التغير المناخي أكبر تحد صحي تواجهه الإنسانية في القرن الـ21، كما أنه يلد مخاطر جمة على مختلف أوجه الحياة الاجتماعية. وترى المنظمة تفاقم التأثيرات السلبية في الحياة البشرية مع كل تأخر في التصدي لهذه الظاهرة ومعالجة مسبباتها. إضافة إلى ذلك تهدد ظاهرة التغير المناخي بمحو المكاسب الصحية التي حققتها البشرية خلال الـ50 عاما الماضية. وتتعارض حالة اللامبالاة تجاه ظاهرة التغير المناخي مع التزامات الحكومات بحقوق الإنسان التي تنص على توفير الرعاية الصحية لجميع أفراد المجتمع. تتسبب الأنشطة البشرية في إحداث التلوث الذي يرتبط بالتغير المناخي وتتسبب معه في تدهور الأوضاع الصحية للمجتمعات. ويعتقد أن إحراق الوقود الأحفوري مسؤول عن الزيادات الكبيرة في انبعاثات الكربون في الغلاف الجوي للكرة الأرضية، كما أنه مسؤول بشكل رئيس عن الأضرار الصحية التي تصيب البشرية نتيجة لتلوث الهواء. ويتعرض نحو 90 في المائة من سكان مدن العالم لمخاطر تلوث الهواء بسبب تجاوز نسب الغازات الضارة في الهواء المستويات الآمنة. ويتسبب تلوث الهواء في وقوع نحو سبعة ملايين وفاة مبكرة على مستوى العالم سنويا، محتلا المركز الثاني في أسباب وفيات الأمراض غير الوبائية، كما يسهم في معظم زيادة تركز الغازات الدفيئة التي ترى الأغلبية الساحقة من المختصين أنها مسؤولة عن التغيرات المناخية. تقف قطاعات المواصلات وتوليد الطاقة والصناعة والزراعة والتخلص من النفايات واستخدامات الأراضي خلف معظم انبعاثات الغازات الدفيئة والجزيئات الدقيقة الخطيرة على الصحة. ينتج عن استهلاك الوقود الأحفوري ملوثات كالأوزون والكربون الأسود والميثان والغازات الدفيئة الأخرى التي تولد مخاطر صحية بالغة على صحة المتعرضين لها. وينبعث جزء كبير من الجزيئات الملوثة للهواء في المدن من المواصلات 25 في المائة، بينما يأتي جزء معتبر نحو 15 في المائة من الأنشطة الصناعية، كما تسهم الأنشطة الإنسانية داخل المنازل من طبخ وتدفئة في نحو 20 في المائة من الانبعاثات. من ناحية أخرى تنشأ معظم المخاطر الصحية الناتجة عن التلوث داخل المنازل من استخدام الوقود الصلب للطبخ والتدفئة. يولد إنتاج الطاقة الكهربائية نحو 34 في المائة من الغازات الدفيئة المنبعثة للغلاف الجوي في الكرة الأرضية، وتصل حصة المواصلات من هذه الغازات إلى نحو 14 في المائة. إضافة إلى ذلك تسهم الأنشطة الصناعية بنحو 21 في المائة، بينما تسهم الزراعة واستخدامات الأراضي والإنشاء والتعمير بنحو 31 في المائة. يتضح من خلال هذه النسب أن مسببات التلوث والتغير المناخي واحدة ومترابطة، كما تقف خلف المخاطر البيئية والمخاطر الصحية في الوقت نفسه. إن إطلاق الكربون الأسود الذي ينتج عن الاحتراق منخفض الكفاءة في المواقد ومحركات الديزل هو ثاني سبب بعد ثاني أكسيد الكربون لظاهرة التغير المناخي، كما تلعب انبعاثات الكربون دورا مدمرا في تغيرات المناطق الجليدية وتضاؤل مساحات الثلوج على سفوح الجبال. ويعتقد كذلك أنه يسهم في تغيرات المواسم المطرية في جنوب شرق آسيا، كما يزيد الجزيئات الدقيقة الضارة بالصحة في المناطق الحضرية. وينبعث جزء كبير من الميثان في الهواء نتيجة للإنتاج والاحتراق غير الكفء للغاز الطبيعي ما يتسبب في زيادة نسب الأوزون الضار بالصحة، كما أنه عاكس قوي للحرارة في الغلاف الجوي ما يسرع في مظاهر التغير المناخي. في المقابل فإن ارتفاع درجات الحرارة بشكل عام على الكرة الأرضية الناتج عن التغيرات المناخية سيزيد بدوره من مخاطر التلوث ويخفض جودة الهواء. وإذا استمرت معدلات التلوث الحالية فإن معدلات وقوع نسب الأوزون القريب الملامس للأرض والغازات الضارة الأخرى ستتفاقم خصوصا في المدن المزدحمة، ما سيزيد معدلات الأمراض التنفسية كما سترتفع نسبة وقوع حرائق الغابات. أما في المناطق الجافة فسترتفع معدلات العواصف الترابية ومعدلات الجزيئات المسببة للحساسيات. لا يخفى على أحد أن التلوث لا يعرف الحدود ويعبر إلى البلدان والمناطق، لهذا فإن التعاون الأممي والإقليمي والمناطقي مهم للسيطرة عليه وتخفيف آثاره. وتسهم جهود الدول والمدن منفردة جزئيا في تخفيف آثار التلوث وخصوصا المؤقت منه ولكنها غير كافية للحد من المخاطر العالمية التي تتطلب تعاونا وثيقا والتزاما بالاتفاقيات متعددة الأطراف. كما ينبغي التأكيد هنا على أن إجراءات تخفيف حدة التلوث وانبعاثات الغازات الدفيئة لا تحد فقط من الآثار الصحية السيئة على البشرية ولكنها تسهم أيضا في دعم التنمية المستدامة وتعزز رفاهية المجتمعات. وكلما ازدادت جهود مكافحة التلوث والحد من الانبعاثات تحسنت جودة الهواء والموارد الطبيعية الأخرى وتحققت مكاسب صحية واقتصادية للمجتمعات الإنسانية. وقد عقد وزراء الصحة أخيرا في جنيف مؤتمرا عالميا لبحث سبل خفض آثار التلوث السلبية في المجتمعات، ووضعوا هدفا ساميا لخفض معدلات الوفيات الناتجة عن تلوث الهواء بمعدل الثلثين قبل عام 2030. والكل يرجو أن يتحقق هذا الهدف وقد تنجح البشرية في الوصول إليه، ولكن هذا يتطلب تكاتف الجهود وتطبيق المعايير والقيود اللازمة، وتطوير التقنيات النظيفة، والتصدي للمستفيدين والمشككين في آثار التلوث والتغير المناخي.
إنشرها