دعني أفكر

|
مهارة التفكير الناقد من المهارات الحياتية الضرورية، وقلة من الناس يتعلمون هذه المهارة تلقائيا خلال حياتهم، نتيجة ما يقومون به من مهام وأنشطة، مثلما يتعلم بعض الناس القراءة دون الذهاب إلى المدارس. ويرتبط هذا النوع من التفكير بالمنطق وحل المشكلات، إضافة إلى عملية التعلم، ويتسم من يجيد مهارة التفكير الناقد بالحكمة، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات أو إصدار الأحكام والتعميمات دون التأكد من دقة المعلومات المتوافرة لديه. ولا شك أن تنمية مهارة التفكير الناقد تحمي الشباب من الانحراف الفكري، والتصديق السريع بالأفكار المعادية للمجتمع، وتساعد تنمية هذه المهارة على بناء آراء منطقية وعقلانية، وتمكن من حل المشكلات بحكمة، وتسهل كذلك عملية توصيل الأفكار والمعلومات إلى العقول الأخرى من خلال الحوارات والنقاشات، علاوة على الإبداع في مجال البحث العلمي. ولا يقل عن ذلك أهمية، أن التفكير الناقد يجعل الإنسان عقلانيا وواعيا، لا يأخذ الأمور على عواهنها، ولا ينساق وراء الإغراءات غير المنطقية، ولا يصدق الخرافات والشائعات التي تعتمد على الجهل والآمال الواهمة، مثل شائعة اكتشاف علاج "المعجزة" ضد الشيخوخة، أو السرطان، أو ادعاءات المعالجين الشعبيين باكتشاف علاج للأمراض المستعصية. كما أن مهارة التفكير الناقد تحمي الإنسان من أن يصبح ضحية للعروض الوهمية وغير الأخلاقية التي يتعرض لها كثيرون في مجتمعاتنا. كان ينبغي أن يكون تعليم هذه المهارة جزءا من أهداف مناهج التعليم منذ زمن، ولكن هذا الأمر كان مغيبا في الماضي، لحساسيته لدى البعض، واعتقادهم – غير المبرر - بأضراره الفكرية على الناشئة، لذلك كانت الفلسفة موضوعا منبوذا وممقوتا، بل سيئ السمعة لدى كثير من الناس بناء على ما يسمعون، دون أن يقرأوا عنه شيئا يذكر. وبناء على هذه الحساسية، باءت محاولات خجولة في بعض الجامعات لإدخال موضوع "التفكير الناقد" أو "الفلسفة" ضمن مناهج الجامعات بالفشل. وإخفاق الجامعات في تبني بعض الأفكار البناءة يثبت أن الجامعات العربية عموما والسعودية خصوصا لا تقود التقدم الذي يحدث في المجتمعات، ولكنها تلهث كي تواكب التغيرات التي يتبناها المجتمع، لذلك فقدت دورها في أن تكون منارات لتحفيز التغير الاجتماعي المناسب في المجتمعات العربية. فلم تتحرك بالسرعة المناسبة لإعداد الخريجين لمهن المستقبل، أو تبني مبادرات نوعية إبداعية غير مسبوقة للنهوض بالمجتمعات العربية. على أي حال، تبنت وزارة التعليم منهج مهارات "التفكير الناقد والفلسفة" للمرحلة الثانوية، وأشار وزير التعليم إلى أن جميع الطلاب في مختلف المراحل والمستويات في حاجة إلى مقرر لتنمية مهارات التفكير؛ لتعزيز جوانب التفكير النقدي، وتطوير هذه المهارة التي تعد من المهارات الضرورية للقرن الـ21. ومهارة التفكير تعيدني إلى ذكريات الدراسة، فكم تذهلني عبارة "دعني أفكر" Let me think التي تتردد في أفواه الأطفال الصغار في الولايات المتحدة عندما تسألهم حول موضوع معين لا يعرفون عنه كثيرا، في حين لم أسمع هذه العبارة من طلابي على مدى السنوات الطويلة التي مارست فيها التدريس في الجامعة. وعلى الرغم من بساطة هذه العبارة، فإن لها دلالات كبيرة ينبغي ألا تخفى على لبيب. فنظم التعليم في الدول العربية لا تشجع على التفكير، ولا تعلم التلميذ مهارات التفكير الناقد أو الإبداعي. وبناء عليه، لا يساورني شك في أن هذا انعكس على سلوكيات الناس في تعاملاتهم اليومية وحواراتهم الفكرية. لذلك يحمد لوزارة التعليم الإقدام على هذه الخطوة الرائعة، التي ستنمي مهارة التفكير الناقد، وستدعم الحوار واحترام الرأي الآخر، بدلا من التشنج و"شخصنة" النقاش والحوارات عند الاختلاف في الرأي أو تصنيف الآخر إلى فئة أو أخرى.
إنشرها