عمق القرار وإيجابية النتائج

|

سألني أحد الطلبة عن متطلبات وشروط القبول في مرحلة الدكتوراه والماجستير، وقد تبين لي أن شرط المعدل التراكمي، الذي هو أحد شروط القبول يتحقق لدى بعضهم، لكن ليس بالصورة التنافسية، وأقصد بالتنافسية الحصول على مستويات عالية في هذا الشرط، وغيره من معايير القبول؛ نظرا للتنافس الشديد بين المتقدمين وكثرتهم، ما يضيق الفرصة على بعض المتقدمين ممن لا تتوافر لديهم المعايير بشكل عال، وهذا ينطبق على الطلاب الزائرين؛ حيث بسؤالهم عن السبب في عدم تحقيق معدلات عالية كانت الإجابة عدم إدراك أهمية ذلك، وربما يجد المرء عذرا؛ حيث المرحلة العمرية، وقلة النضج، وغياب الطموحات المستقبلية، فانشغال الطالب بالدروس، وتركيز اهتمامه على إنهاء مرحلة البكالوريوس، وحيازة الدرجة ربما تمثل أسبابا تصرف عن التخطيط بعيد النظر، على أن هذا لا يعمم على كل الطلاب، فالنابهون منهم يدركون أهمية ذلك، ويخططون لما بعد المرحلة التي يدرسونها. هذا الحديث العابر مع الطلاب السابقين تداعت بسببه إلى ذهني صور من الحياة الواقعية لبعض الأفراد، نظرا لغياب استحضار الإيجابيات المترتبة على السلوك الجاد، والسلبيات المترتبة على سلوك الإهمال الممكن الوقوع فيه من قبل البعض؛ نتيجة الاسترخاء العقلي الطويل لديهم، القاتل للهمة، المضعف للاهتمامات، وانصراف الفرد إلى اهتمامات سخيفة، حتى إن البعض يجد في فترة من عمره، خاصة مرحلة المراهقة والشباب، أن قضاء الوقت في المتنزهات، والمقاهي، والمطاعم أولوية، وحاجة جاذبة؛ لما يشعر به من متعة، حتى تفوته الفرص السانحة؛ ليجد نفسه فيما بعد خاسرا، ومضيعا فرص بناء الذات، وتحقيق مستقبل أفضل.
اللص حين يُقدِم على قتل شخص آخر لسرقته لا يفكر في العواقب المترتبة على السلوك، وقد يجد لذة وإشباعا نفسيا بهذا الفعل، إلا أن شعور المتعة لا يلبث أن يتبخر حينما يتم القبض عليه، وإصدار حكم القتل بحقه، أو السجن مدى الحياة لتتحول حياته إلى تعاسة لا نظير لها، ومن الصور المتداعية أحد الأصدقاء، الذي قرر - في غياب التفكير الناضج - الاستقالة من عمله، وبيع بيته، وسيارته، والاقتراض من البنك ليضارب في الأسهم أيام ازدهار السوق قبل الانهيار المريع الذي أصاب كثيرا في أموالهم, وأثر في حياتهم تأثيرا بالغا، الصديق كما وصف لي حاله بأنها انقلبت من الاستقرار، والراحة، وتوافر متطلبات الحياة الجيدة لجميع أفراد الأسرة إلى النقيض، حتى بلغ به الأمر إلى تمني العودة إلى عمله السابق، بل نصف مستوى الحياة التي كان يعيشها سابقا.
صورة أخرى من صور عدم التفكير الناضج، واتخاذ قرار يتبعه إجراء وسلوك مضر: طالب يدرس في الجامعة، ويعيش في كنف والديه، وتتوافر له كل مقومات الحياة الكريمة، قرر في لحظة من اللحظات ترك الجامعة، والالتحاق بوظيفة ربما أغراه وقتها راتبها، حتى إن لم يكن عاليا، إلا أن افتقاد التفكير الناضج أضاع عليه سنين من عمره، مع أنه استدرك وعاد إلى الدراسة فيما بعد.
النماذج السابقة ينطبق عليها بيت الشعر القائل:
يقضى على المرء في أيام محنته
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
التصرفات الخاطئة، المقصودة، المبنية على تقديرات خاطئة، وتفكير غير ناضج، ليست مقتصرة على عامة الناس، بل يقع فيها السياسيون، وهم من لديهم المستشارون، والخبراء، والمفكرون الاستراتيجيون، لكن كما يقال لكل جواد كبوة، وبقراءة تاريخية نجد أمثلة لتصرفات خرقاء، مميتة، فالرئيس الأمريكي نيكسون، رغم أنه من الرؤساء العتاة وقع في فضيحة ووترجيت؛ حين تجسس على الحزب الديمقراطي، وحوكم عليها بعد انكشافه، وأدين، وأرغم على الاستقالة، وعفا عنه الرئيس جيرالد فورد.
الرئيس العراقي السابق صدام حسين وقع في الفخ الأمريكي، حين أشعرته السفيرة جلاسبي بأن بلادها لا تعارض غزوه الكويت، وبنشوة القوة، وتصديق الوعد الكاذب أقدم على غزو الجار، والنتيجة ما نراه يحدث في العراق منذ تلك الحادثة الشنيعة، ويذكر ضابط المخابرات الأمريكية، الذي التقى صداما في معتقله، أنه لما سأله عن غزو الكويت أصبح يضرب رأسه بكفيه، ما يعني حالة الندم، وإدراك الخطأ الذي جاء متأخرا، لكن أنى لهذا الندم أن يعيد الأمور إلى وضعها الطبيعي؟ إذ لا يمكن إعادة الجرة كما كانت، حتى لو كان «الصنايعي» ماهرا؛ إذ لا بد من ندوب، وآثار تظهر عليها.
ما يبدو لنا جميلا في فترة من فترات حياتنا قد لا يكون كذلك فيما بعد، فعدم إدراكنا الظروف المحيطة، والغفلة عن قانون التغير الذي لا نملك مفاتيحه في كل الحالات يوقعنا في قرارات ارتجالية تترتب عليها آثار بالغة الخطورة، وعلى النقيض من ذلك عمق القرار وشموليته يعطيان نتائج إيجابية.

إنشرها