التنمية المنسجمة مع المناخ

|
تحاول المفوضية أو اللجنة الدولية للاقتصاد والمناخ دعم وجهة نظرها بضرورة تبني السياسات المتفاعلة مع التغيرات المناخية من خلال رسم صورة متفائلة للأوضاع الاقتصادية في القرن الـ21 عند تبني هذه السياسات. وترى المفوضية في أحد تقاريرها أن قصة النمو في القرن الـ21 ستكون مزدهرة، حيث ستتولد فرص غير مسبوقة، كما ستتمخض عن السياسات المتفاعلة والمنسجمة مع التغيرات المناخية منافع ضخمة ونمو اقتصادي عالمي قوي وشامل. في المقابل ستكون هناك عواقب وخيمة عند عدم تبني السياسات المناخية المناسبة. يذكر أحد تقارير المفوضية أننا على عتبة مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي الذي يأخذ في حسبانه الأوضاع المناخية، حيث سينتج عن السياسات المراعية للتحولات المناخية توليد نمو اقتصادي قوي ومتزن يشمل مختلف شرائح المجتمع سواء كانت فقيرة أو متوسطة أو غنية. ويأتي هذا التصور من التفاعل المتوقع بين تسارع الإبداعات التقنية، واستثمارات البنية الأساسية المستدامة، وزيادة إنتاجية الموارد. وبموجب التحولات المرتقبة ستكون المدن أكثر تراصا ودينامكية لجذب الشركات والاستثمارات الإبداعية، بينما ستوفر الكثافة السكانية العالية خدمات منخفضة التكاليف وتتجنب التمدد العمراني الواسع والمشتت. وستحصل هذه المدن على الطاقة من مصادر نظيفة بتكاليف محتملة وأنظمة طاقة كفؤة توفر مزيدا منها لملايين إضافية من البشر. ستساعد التطورات التقنية وزيادة انتشار تقنيات الاتصال التجوالي في دعم النمو وخفض التكاليف مع مرور الوقت في أماكن كثيرة من العالم. إضافة إلى ذلك سيسهم قطاعا الزراعة والغابات أيضا في التحولات الاقتصادية المنتظرة، حيث سيتوافر مزيد من الإنتاج الغذائي وستتحسن مستويات ونوعية التغذية في الكرة الأرضية ما سيرفع دخول سكان الريف ويحسن عدالة توزيع الدخل، ويدعم التوازن البيئي. أما القطاع الصناعي فسيشهد تحولات إيجابية لخفض استهلاك الطاقة المستخدمة لإنتاج المواد والمنتجات كثيفة الاستهلاك للطاقة. سترفع أساليب التنمية الجديدة الإنتاجية والمرونة الاقتصادية وستنشر منافع النمو في شرائح المجتمع المختلفة. في الوقت الحالي، لا يستفيد الفقراء كثيرا من انخفاض إنتاجية القطاع الزراعي ولا من المدن مترامية الأطراف التي يضيع كثير من الوقت فيها بسبب تباعد أطرافها واكتظاظ طرقها وتلوث أجوائها. وتعتبر شرائح المجتمع محدودة الدخل أكثر شرائح المجتمع عرضة لمخاطر التلوث، حيث تقطن هذه الشرائح عادة في المناطق الأكثر تلوثا واكتظاظا والأسوأ تنظيما، كما تقود الكوارث المناخية إلى وقوع أو تعمق كثير من أعضائها في دائرتي الفقر والفقر المدقع. يركز أسلوب التنمية الجديد على ضرورة التخلي التدريجي عن الكربون في توليد الطاقة، بالتزامن مع اللامركزية واستخدام التحكم الرقمي في استهلاك الطاقة خصوصا الكهرباء. وسيساعد هذا الأسلوب على إيصال الطاقة الكهربائية لأكثر من مليار إنسان إضافي، ويقلل كثيرا من مخاطر التعرض لتقلبات أسعار الطاقة، ويحد من مستويات وأضرار التلوث. ولا يخفى على الأعين أن التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة يتسارع في الوقت الحالي، حيث تضاف مصادر طاقة نظيفة سنويا أكثر من مصادر الطاقة التقليدية. يتضمن أسلوب التنمية الجديدة عدة محاور من أبرزها التنمية العمرانية الذكية المركزة على الاستخدام الأمثل للأراضي والطرق ومجالات نشر شبكات النقل العام والمشجعة والمحسنة لشبكات التنقل غير المستخدم للطاقة. تساعد التنمية العمرانية الذكية على تخفيف الازدحام وتقلل استخدامات الطاقة وتوفر الوقت المهدر في التنقل ما يرفع كفاءة عوامل الإنتاج. إن بناء مدن أكثر كفاءة سيولد زيادة كبيرة في النشاط والنمو الاقتصادي وينشر منافع التنمية عبر الشرائح السكانية الأقل دخلا كما سيسهم في خفض تكاليف السكن ويحد من مستويات التلوث. يتضمن الأسلوب المقترح في التنمية ضرورة الاستخدام المستدام للأراضي الذي سيرفع الإنتاج الزراعي خصوصا في الدول النامية والفقيرة والمناطق الزراعية في كثير من دول العالم. تقدر بعض المصادر كميات الإنتاج المهدرة في سلاسل إنتاج المحاصيل بنحو ثلث الإنتاج الزراعي. وإذا ما تم خفض الهدر الزراعي وحده فإن هذا سيوفر كميات ضخمة من المواد الزراعية. وسيقود الحفاظ على الغابات وحماية التربة والشواطئ إلى دعم جهود الحد من مظاهر التغير المناخي وتخفيف آثاره. وستنتج عن الجهود المبذولة في قطاعي الزراعة والغابات زيادة معتبرة في الناتج المحلي في كثير من دول العالم خصوصا منخفضة ومتوسطة الدخل. يتضمن أسلوب التنمية الجديد المنسجم مع المناخ أيضا محورين مهمين لإدارة الموارد المائية بشكل مناسب للحد من الآثار السلبية للتغيرات المناخية على الناتج المحلي في عدد من دول العالم التي تعاني ندرة المياه وتلوثها، إضافة إلى ضرورة تركيز القطاع الصناعي على ممارسات إعادة استخدام المواد ما سيوفر كميات هائلة من الطاقة تسهم في الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة وتمكن الإنسانية من مقابلة متطلبات وقف التغير المناخي.
إنشرها