الإقبال على السندات الحكومية يعكس قوة الاقتصاد

|
منهجية إدارة الدين العام التي انتهجتها الحكومة السعودية خلال السنتين الماضيتين تقوم على فلسفة كنزية حديثة، وهي أن الدين العام يُمكِّن الحكومة السعودية من إحداث تدخلات اقتصادية مهمة، وذلك دون أن تكون هناك قيود كبيرة على حركة الاقتصاد، وهذا التطور في منهجية إدارة الدين العام لإدارة الاقتصاد في حالته الكلية ملموس مع تنامي استخدام الوسائل المالية للدين العام، وهي السندات والصكوك. وبشكل مباشر، فإن المنهجية القائمة الآن تمكن الحكومة عن طريق هذه السندات من التحكم - بطريقة أو بأخرى - في اتجاهات الفائدة المحلية، وتوجيه السيولة لدى المصارف، وبالتالي قدراتها في التمويل والإقراض والاستثمار المباشر، فقد بدأت الحكومة السعودية في تبني منهجية السندات عندما أصدرت حزما مختلفة من السندات المحلية والدولية، وجمعت ما يقارب 250 مليارا بنهاية منتصف العام الحالي. لم يكن هناك شك في أن تجد هذه السندات والصكوك إقبالا بأي حال، لكن ما تم فعليا قد تجاوز التوقعات بمراحل؛ حيث إن الإقبال على شراء السندات وتغطيتها تجاوز النسب القياسية، وبلغ ما يزيد على 200 في المائة، وقد تمت الإشارة إلى كل هذا في مناسبات عدة من قبل، وهي شهادة كبيرة من الأسواق العالمية والمحلية على الثقة الكبيرة بقدرة الحكومة السعودية على إدارة الاقتصاد، وبالتالي سداد تكلفة هذه السندات في حينها، لكن رغم أن مستويات الفائدة في الأسواق لم تحدث لها تغيرات دراماتيكية، فإن هناك إقبالا وتنافسية للحصول على هذه السندات من قبل المصارف السعودية حتى سجلت مستوى قياسيا لترفع المصارف المحلية من حصصها إلى 301.1 مليار ريال. ووفقا لتقرير "الاقتصادية" بهذا الشأن وعلى أساس شهري، ارتفع رصيد المصارف السعودية من السندات الحكومية 1.5 في المائة، بما يعادل نحو 4.5 مليار ريال؛ حيث كانت 296.6 مليار ريال في نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي. وخلال عام، صعد رصيد المصارف السعودية من السندات الحكومية 23 في المائة، بما يعادل 56.2 مليار ريال، لتبلغ 301.1 مليار. وهكذا تظهر الصورة واضحة بشأن الفوائد الاقتصادية لمنهجية السندات والصكوك المتداولة التي انتهجتها الحكومة السعودية أخيرا، فهي تستطيع كبح جماح الأصول، والسيطرة على التضخم من خلال آلية أسعار الفائدة على السندات دون التدخل في آلية أسعار الفائدة في "مؤسسة النقد" "الريبو"، فكل ما يمكن إجراؤه اليوم هو تعديلات ممنهجة على كمية المعروض من هذه السندات، أو في أسعار الفائدة، ومن ثم التحكم بقوة في حجم التدفقات النقدية للأسواق. ولهذا، فإن وجود إدارة متخصصة للدين العام في "مؤسسة النقد" قد يشكل أداة إضافية للحكومة السعودية، فضلا عن الأدوات المتوافرة لدى "مؤسسة النقد" لإحداث تغييرات أساسية في حالة الاقتصاد السعودي، وإضافة إلى كل هذا، فإن قدرات المالية العامة على تمويل أنشطتها ستكون أكثر مرونة مع استخدام هذه الأدوات التي أثبتت اليوم أنها مصدر مهم وقوي للسيولة، ومخرج مهم لتبادل الأدوار بين القطاعين الخاص والحكومي، فإذا كانت الحكومة السعودية تريد اليوم تبني مسار شراكة مع القطاع الخاص بقيمة 400 مليون ريال لبناء مدارس حكومية في شتى المجالات، فإن وجود السندات بهذه الطريقة يوفر سيولة من القطاع الخاص نفسه لإنجاز هذا المسار، ويبقى الضغط على المالية العامة في تبني تغطية تكلفة خدمة الدين، وهكذا يتفاعل الاقتصاد مع جميع قطاعاته، ويدخل الاقتصاد السعودي مرحلة نضج مهمة تأخرت كثيرا.
إنشرها