الطريق إلى موازنة البرامج

|
رغم بعض الإصلاحات الشكلية في الحسابات العامة بإعادة تبويب عناصر الميزانية العامة للدولة، وإضافة مبدأ الاستحقاق إلى السياسات المحاسبية، إلا أن الوظيفة الأساسية للموازنة العامة للدولة لم تزل تدور في فلك منهجية رقابية بحتة، ولا زالت بحاجة إلى التطوير المستمر. وللقارئ غير المتخصص، وبشكل عام، فإن الموازنة العامة للدولة مرت بثلاث مراحل أساسية، بدءا من مرحلة البنود لأغراض الرقابة المالية فقط، ثم مرحلة موازنة البرامج والأداء، التي تهدف إلى الرقابة على الأداء، ومرحلة الموازنة الصفرية، التي تسعى إلى تقييم الأداء وإعادة البرمجة، لكن يجب ألا يفهم هذا على أن كل مرحلة منعزلة عما سبقتها، أو أنها لن تحقق متطلبات المرحلة السابقة لها، بمعنى أن الموازنة الصفرية لا تعني إهمال عنصر الرقابة المالية كما تركز عليه موازنة البنود، بل هو عنصر مهم، لكن موازنة البنود لا تهتم كثيرا بتحقيق الأهداف كما تفعل موازنة البرامج، بل بضبط الإنفاق، وهذا عيب عميق فيها، لكن أيضا يجب أن ندرك أن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة له متطلبات أساسية، ولا يمكن القفز بين المراحل "أو على الأقل لا يمكن ذلك بسهولة"، فلا يتحقق لنا أن نتطور "فجأة" من ميزانية البنود إلى ميزانية الأداء الصفرية هكذا دفعة واحدة، بل يجب أن يمر ذلك من خلال بناء منظومة موازنة البرامج، ولن أدخل في تفاصيل أكثر حول الفروق، ويمكن لمن له رغبة في التوسع قراءة كتب في المالية العامة والمحاسبة الحكومية خاصة. في الآونة الأخيرة، تشهد الأحداث الاقتصادية في المملكة تحولات عميقة، ومن ذلك "رؤية المملكة 2030"، وما تضمنته هذه "الرؤية" من برامج، إضافة إلى تحولات في بنود الميزانية العامة من الأبواب إلى التصنيفات، وهي جميعا تنبئ بتحول إلى ميزانية البرامج والأداء بشكل هادئ ومتزن، وهذا التحول برز بشكل واضح مع صدور قرار مجلس الوزراء الأخير بشأن الموافقة على تنفيذ مسار البناء والصيانة كجزء من البرنامج التنفيذي لمبادرة تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص لتوفير المباني التعليمية، وهذا المسار يهدف إلى تنفيذ ما لا يقل عن 120 مدرسة في مناطق رئيسة في المملكة، مع قيام وزارة التعليم بإبرام جميع العقود والاتفاقيات، إضافة إلى اتفاقيات إيجار الأراضي التعليمية في مناطق رئيسة في المملكة لمدة لا تتجاوز 30 عاما لتنفيذ المبادرة، سواء كانت تلك الاتفاقيات مع شركة تطوير للمباني أو مع غيرها. وقد تم تخصيص مبلغ قدره 400 مليون ريـال سنويا، ولمدة لا تتجاوز 28 عاما، ولا أعرف لماذا تم استخدام كلمة مسار بدلا من برنامج؟ ولعل السبب في استخدام كلمة برنامج بطريقة أخرى مثل برنامج كفاءة الطاقة، وبرنامج التجمعات الصناعية - له وضع مختلف عن مفهوم المسار المشار إليه، لكن وفقا لفلسفة ومفاهيم موازنة البرامج والأداء، فإن مسار البناء والصيانة نموذج جيد لتلك الموازنة، وهنا يتضح الدور الجديد للموازنة من حيث التخطيط المستقبلي والرقابة على الأداء أيضا، فهناك اليوم مخصص معتمد كل عام لهذا المسار بقيمة 400 مليون ولمدة 28 عاما. وهكذا، فإنه وفقا لهذا المسار "البرنامج" يمكن متابعة المُتحقَّق من المشاريع في بناء وصيانة المدارس، ويمكن مقارنة الفرق بين هذا النموذج في العمل وسابقه الذي كان يتم من خلال تخصيص ميزانية سنوية لوزارة التعليم، وتقوم باتخاذ القرار بشأن هذه المبالغ "بشكل مستقل"؛ لتنفذ ما ترى أو تتوقف أو تنقل مبالغ المشروع إلى غيره، والمهم هو الصرف والرقابة عليه لضبط الإنفاق، وليس مهما متابعة هل تم تنفيذ المشاريع المخطط لها أو لا، ومتى، فمثل هذه الأسئلة لم تكن من ضمن اهتمامات ميزانية البنود، بل أين ذهب المبلغ وكيف؟ لكن الآن، فإن المهم هو تحقيق هدف البرنامج، وهو بناء وصيانة المدارس من خلال القطاع الخاص، ودور وزارة التعليم لم يعد تنفيذيا، بل عليها فقط إنجاز المخطط له من خلال توقيع الاتفاقيات وتسلم الأراضي، ولم تعد لديها مشاكل تتعلق بالمبالغ المرصودة أو قرارات بشأن نقلها أو تحويل مسارها إلى مشاريع أخرى، هنا نرى بوضوح الفروق بين موازنة البرامج والبنود. وفقا للنموذج الجديد من العمل، فإن على الجهات الرقابية الآن القيام بمراجعة أداء حقيقية وليست شكلية كما عليه الحال حاليا. ففي مسار البناء والصيانة هذا، فإن دور الجهات الرقابية - ومن بينها وزارة المالية نفسها - هو مراجعة هل تم تنفيذ المسار؟ وهل تم التنفيذ وفقا للمخطط له؟ وهل تم إنفاق المخصصات على المسار؟ وهل تحققت الأهداف المخطط لها؟ وهل الإنجازات التي تم تحقيقها تبرر المصروفات التي تم إنفاقها؟ وهل الموارد بجميع أشكالها - ومن بينها الموارد البشرية - متوافرة ومستخدمة بكفاءة لتحقيق أهداف هذا المسار؟ وفي كل عام، ستتم إعادة تقييم المسار بشكل كامل، والنظر في تعديل المبالغ المخصصة له بالزيادة أو النقص حسب التطورات والنتائج المتحققة، وهذا هو قلب فلسفة موازنة البرامج، التي يمكن من خلالها الانتقال إلى الموازنة الصفرية في مراحل مقبلة. وما أتمناه هو مشاهدة مزيد من هذه البرامج؛ لأنها بالفعل تمثل المسار الحقيقي لتحقيق التنمية والرقابة والمساءلة.
إنشرها