«صاحبة الجلالة» تكافح لاستعادة عرشها

|
الاستعدادات على قدم وساق في بعض المؤسسات للاحتفاء بيوم اللغة العربية. واليوم المشهود هذا - حسب ظني - كان بادرة طيبة من منظمة اليونسكو، التي تُعنى بالثقافة والتراث في العالم. رسميا، يصادف اليوم العالمي للغة العربية الثامن عشر من كانون الأول (ديسمبر) في كل سنة، ولكن يبدو لي أن الاحتفال هذا العام قد يختلف عن الأعوام الأخرى لأسباب كثيرة، منها ما قد أعرج عليه في هذا المقال، ومنها ما سأتجنب الحديث عنه؛ لأنني مقيد بسقف من الكلمات لا أستطيع تجاوزه. للغة العربية تسميات مختلفة، بيد أن ما يجذبني منها هو "صاحبة الجلالة". التسمية مجازية، ولكنها ذات وقع كبير رغم مجازيتها. إنها تجعل من العرب ومعهم كل متشبع بلغتهم الأم وثقافتهم من رعايا "صاحبة الجلالة". ومجازية المصطلح تجعلنا نسرح بخيالنا. ولأن المجاز في اللغة إيجاد وإبداع، فبإمكاننا أن ننظر إلى "صاحبة الجلالة" وكأنها تكافح اليوم من أجل عرش هي على وشك خسارته. وكي تستعيد عرشها، وتجلس عليه وهي في أحلى وأزهى وأجمل وأبهى هيئة، يجب على رعاياها مساعدتها على ذلك. وتقديم العون لـ "صاحبة الجلالة" للجلوس على العرش أراه واجبا؛ لأن رعاياها ولأسباب مختلفة تركوها تصارع عوادي الزمن وحدها فترة طويلة. و"صاحبة الجلالة" هي الملكة "اللغة" الوحيدة في الدنيا التي حمى أصحابها ورعاياها عرشها بأجسادهم وأنفسهم نحو 1400 عام. فما لي أراها مكفهرة الوجه، وهي تخشى على عرشها في زمن تحتله الثورة الخوارزمية، التي أول من دشنها وقدمها للعالم كان واحدا من رعاياها. وبدلا من أن تسهم الثورة الخوارزمية في شد عضد عرشها وتمكينها من الجلوس عليه وهي سعيدة ومنشرحة، هناك خشية كبيرة من أن الثورة هذه قد تأكل من جرفها وتهز بذلك مملكتها. ومساهمة مني في الاحتفاء بعيد "صاحبة الجلالة"، ارتأيت أن أضع بعض المقترحات، وأن أصوغ عددا من الفرضيات التي إن سعينا إليها بجدية فقد تُدخِل الفرحة في قلب "الملكة"، وتجعل منها خير جليسة على عرش يبز في قيمته المعنوية والاعتبارية والثقافية عرش أي مملكة عرفتها الدنيا. أولا: بما أن النطق باللغة المعيارية "الفصيحة" أخذ في الانسحاب التدريجي لمصلحة اللهجات المحلية، فأرى أن الحفاظ على عرش "صاحبة الجلالة" يجب أن يرتكز على مهارات الكتابة. ثانيا: يجب تدريس مهارات الكتابة بلغة "صاحبة الجلالة" في كل المراحل الدراسية، وجعل التمكن منها شرطا للقبول في الجامعات والمعاهد، حتى بعض حلقات التوظيف، كما هو شأن دول فائقة التطور مثل السويد. ثالثا: إعادة النظر في مناهج تدريس اللغة العربية من نحو وصرف وأدب وغيره؛ كي تنطلق في حيثياتها من البيئة التي يعيشها الطلبة والتلاميذ في عصرنا هذا. لا فائدة - من وجهة نظري - من تقديم أبيات شعر قديم أو نصوص قديمة كأمثلة على قواعد نحوية أو صرفية. من الأفضل الاتكاء على أمثلة من الأدب والشعر الحديث. رابعا: إدخال المناهج التعليمية الحديثة الخاصة باللغة. أرى من الأفضل تدريس اللغة العربية كوظيفة اجتماعية وثقافية وإعلامية ومهنية وعلمية، تساعد الطالب والتلميذ على دخول معترك الحياة والتوظيف، أو التنقل إلى مراحل تعليمية أعلى. البشر يحبون كل ما يساعدهم على مواجهة الحياة والارتقاء في سلمها. خامسا: إدخال الخوارزمية في تدريس اللغة العربية. الخوارزميات التي هي عماد الثورة الصناعية الحديثة عربية المنشأ، وأرى أن الاتكاء عليها سيدر فائدة جمة لاستيعاب الأطر الخطابية التي نحتاج إليها عند الحديث والكتابة في أي صنف من الأصناف الأسلوبية. سادسا: إدخال الوظائف التي تقوم بها اللغة العربية في العصر الحديث في التدريس، حتى إن تعارضت مع التقليد. وأسوق مثالا بسيطا هنا، وهو يخص الفعل المضارع، الذي في النحو التقليدي يشير إلى زمن المضارع، ولكنه اليوم قد يشير إلى زمن الماضي، رغم أن تصريفه في المضارع. سابعا: الإكثار من نصوص القراءة، ولا سيما من الأدب الحديث، ومن الكتاب المحدثين، وفي مواضيع منسقة ومرتبة تتناول أوجه الحياة المختلفة. ثامنا: تشكيل النصوص العربية التي يتم تدريسها؛ كي يتعود الطالب والتلميذ القراءة باللغة العربية دون لحن. القراءة بـ"العربية" مع التشكيل الصحيح تقترب من العزف على آلة موسيقية لو قمنا بها بصوت عال. تاسعا: تبسيط التراث، ولا سيما عيون الأدب والشعر، وكذلك سيرة حياة العلماء والمفكرين والفلاسفة من العرب والمسلمين. إعادة صياغة كتابات التراث بلغة عربية عصرية سليمة، وبأسلوب سهل ممتنع، يأخذ الأعمار والمستويات في الحسبان، وذلك صار من الأهمية بمكان. هذه كانت بعض الأفكار التي راودتني ونحن على أعتاب الاحتفاء باليوم العالمي لـ"صاحبة الجلالة.. اللغة العربية".
إنشرها