ثقافة وفنون

معرض الصقور والصيد .. فطنة العرب في هواية

"الحكايات التي تنتهي، لا تنتهي ما دامت قابلة لأن تروى".. تحضر مقولة الأديبة الراحلة رضوى عاشور اليوم إذا ما أردنا أن نروي تراثا وتاريخا حافلا بالعراقة والأصالة مثل الصيد بالصقور، الذي يستحق أن يروى وينقل جيلا بعد جيل.
ثمة دهشة سترافقك وأنت تجول في معرض الصقور والصيد السعودي، الذي ينظمه نادي الصقور السعودي في دورته الأولى هذه الأيام في العاصمة الرياض؛ فالمعرض من ألفه إلى يائه يوفر تجربة ثرية مملوءة بالمتعة لأفراد العائلة كافة، قلما تجد مثيلا لها.

إرث تاريخي

حين نتنزه في ذاكرة تاريخ الصقور، نلمس جهودا سعودية متواصلة عبر الزمن للحفاظ على هذا التراث، بدءا من القوانين والأنظمة الوقائية، ومرورا بإطلاق مشروع صندوق الأمير سلطان بن عبدالعزيز للمحافظة على الصقور، ودعم المملكة لاقتراح "اليونسكو" لتسجيل هواية الصيد بالصقور على لائحة التراث العالمي، وإصدار الهيئة السعودية للحياة الفطرية نحو خمسة آلاف جواز خاص بتنقلات الصقور، في وقت تعد فيه المملكة إحدى الدول الـ 11 المدرجة ضمن لائحة اليونسكو للدول المربية للصقور، وموطنا لأنواع مختلفة منها، وممرا لأخرى مهاجرة.
ولا تخفى حقيقة أن الحفاظ على تراث صيد الصقور ليس مهمة تمارس ارتجالا، بل تتطلب خططا واستراتيجيات، وأفكار مبتكرة، ورابطة تجمع هواة الصيد، خصوصا أن المملكة تعد أكبر دولة مصدر للصقور في العالم، وتشير إحصائيات وتقديرات بأن المملكة تحتضن على أراضيها أكثر من 16 ألف صقر، يقتنيها نحو عشرة آلاف صقار، بحجم مبيعات بملايين الريالات. ومن هنا جاءت فكرة نادي الصقور.
لقد كانت مهمة الحفاظ على هذا الإرث التاريخي الضارب في القدم، وما زالت، محورا من المحاور الأساسية التي تنظر إليها القيادة الرشيدة بعين الاهتمام، ونقطة تركيز انعكست إيجابا على أبناء الوطن، خصوصا بعد الأمر الملكي الكريم رقم (أ/298) للعام 2017م الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - بإنشاء نادي الصقور، بإشراف الأمير محمد بن سلمان ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، ليحمل هذا النادي على عاتقه مسؤولية التعريف بالتراث والهوية الوطنية للمملكة، ونقلها إلى الأجيال القادمة، وإبراز هواية صيد الصقور وتعريف المجتمع بها، وإيجاد منصة تواصل بين الهواة والمحترفين لتطوير صناعة الصقور والصيد والإسهام في دفع الحراك الثقافي والترفيهي في المجتمع.

26 واحة

إن أول ما سيلفت نظرك وأنت تجول في معرض الصقور والصيد السعودي، باكورة أعمال نادي الصقور، هو التنظيم المتميز وقوة الحضور وتنوع المشاركات، إذ يشارك فيه نحو 250 جهة مختصة بالصقور والصيد من 20 دولة. ويزخر المعرض، الذي يقام على مساحة تبلغ نحو 15 ألف متر مربع، بالفعاليات التي تقام في 26 واحة، منها واحات أدوات التخييم والرحلات البرية، وتقنيات تدريب الصقور ومستلزمات الصيد، وعارضي ومنتجي الصقور، والخدمات البيطرية وغذاء الصقور، وشركات الأسلحة، ومزاد الصقور وآخر للهجن، فيما تحتضن واحة الترفيه والاستدامة معرض "الملوك والأمراء"، ومعرض الصور الفوتوغرافية، وفعالية الصقار الصغير، والمطعم والأعمال الحرفية، وفعالية الواقع الافتراضي، ورحلة الاستدامة، والمحميات الملكية، إلى جانب المسرح الذي يستضيف أمسيات شعرية ومحاضرات وورش عمل.
ومن المعارض التي ازدان بها معرض الصقور، جناح لمكتبة الملك عبدالعزيز العامة، عرضت فيه صور نادرة لرحلة الأميرة أليس، حفيدة الملكة فيكتوريا، التي قامت بها إلى المملكة في عام 1938م (1357هـ) على مدى ثلاثة أسابيع، عبرت خلالها من غرب المملكة إلى شرقها عبر الصحراء متنقلة بالسيارات، ووثقت خلالها عالم الصقور في المملكة في ثلاثينيات القرن الماضي.
وتعد زيارة الأميرة أليس أول زيارة لسيدة من أفراد العائلة المالكة البريطانية إلى المملكة، ووثقت عدستها تفاصيل الرحلة الاستكشافية في 324 صورة فوتوغرافية، تمثل أهمية تاريخية، حيث ترصد مربي الصقور الملكية، كما تشرفت في تلك الزيارة بلقاء المؤسس الملك عبدالعزيز ــ طيب الله ثراه.

عارضو الصقور

ربما كان لكل إنسان قصة واحدة، وربما في حياة البعض أكثر من قصة، لكننا نجد سير بعض عارضي الصقور في المعرض تحفل بالكثير والكثير من القصص والمغامرات التي عايشوها مع كل صقر.
حب الجمال غريزة في الإنسان، قديمة، وجديدة، ومتجددة، هذا ما يؤكده العم صالح العنزي في حديثه لـ "الاقتصادية" عن الصقور وشموخها وجمالها، ويكشف مزيدا من التفاصيل عن هذه الهوية والهواية، حيث يعد صيد الصقور متعة وترفيها عن النفس، وكان العرب منذ فترة ما قبل الإسلام يروضون الصقور، ويستخدمونها في الصيد بكل فطنة وذكاء، واستمر ذلك وفعله صحابة النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ونزلت فيهم آية سورة المائدة حول حكم أكل اللحوم التي تنتج عن الصيد.
يضيف العم صالح أن التعامل مع هذا الطائر من دواعي التفاخر، وتدريب كل سلالة ونوع يحتاج إلى براعة ومهارة من نوع خاص، إذ يتطلب تدريب الصقر الحر أو الشاهين نحو شهر كامل، يستطيع بعدها الصقر تمييز صوت صاحبه، فيطيع أوامره، فيما تختلف طرق الصيد؛ إذ تعتمد بعض الطيور تقنية المناورة في الطيران، أو الانقضاض على الفريسة وهي على الأرض، وصقور أخرى تفضل مهاجمة الطريدة في الجو.
وتابع في حديثه المحبب إلى نفسه حول الصيد، أن تنظيم معرض الصقور في هذا التوقيت يعد مثاليا، كون هذه الأجواء ملائمة للصقور، مشيدا بسهولة إجراءات التسجيل في مزاد الصقور، وعده فرصة مثالية للبيع والشراء وتبادل الخبرات.

طب وقصيد

طب وعلاج الصقور في حركة دائبة، بين ابتكارات الأطباء، واستجابات الصقر لهذا العلاج أو ذاك، وتتوالد عبر هذه الحركة - ومراحل طويلة من الاستكشاف والتجريب - سلسلة من الإضافات والتفاصيل الإضافية التي تزيد هذا الابتكار أو ذاك العلاج جودة وفعالية. وهذا ما تؤكده سلسلة المحاضرات والندوات وورش العمل على هامش المعرض التي تصل إلى 15 فعالية، ولا تتجاوز مدة إقامة الواحدة منها 20 دقيقة، إذ تعد بمنزلة دورات مكثفة، يقدمها نخبة من الأطباء والأكاديميين، مثل الدكتور البراء آل عثمان، الدكتور أنس القلاب، الدكتورة سارة الرشود، الدكتور إياد الدلابيح، الدكتور آندرو ماكبرايد، الدكتور فيكتوريا جوزيف وآخرين.
وتتضمن الفعاليات دورات طبية متخصصة مثل الإسعافات الأولية لحوادث وإصابات الصقور في المقناص، وأهم أمراض الصقور الموجودة في المملكة وطرق الوقاية منها، والتشريح الوظيفي للجهاز التنفسي في الصقور، أمراض الجهاز التنفسي بالصقور وعلاجاتها، التسمم في الحياة البرية (علاجه وطرق الوقاية منه)، أمراض الهجن التناسلية ونقل الأجنة، وإدارة قطعان الصيد وصحتها في المحميات، وطرقا وأفكارا لحماية وإدارة صيد الحبارى، والطرق العلمية لرفع كفاءة الهجن في السباق وأضرار الممارسات العشوائية لملاك الهجن، وغيرها من الدورات التي يقدمها أطباء من داخل المملكة وخارجها.
كما يوفر معرض الصقور منصة تواصل بين الهواة والمحترفين لتطوير هواية صيد الصقور، حيث تتضمن أجندة المعرض أيضا فعاليات متنوعة تستهدف الزوار من العائلات والمتخصصين، مثل فعالية (سؤال وجواب) مع الصقارين، وفعالية استراتيجيات الصيد بالصقور وعلاقتها بانحصار أعداد الطيور، الصقارة في أمريكا من الإنتاج إلى الصيد، وورشة عمل تتضمن تقييما لتجارة الصقور واستخدامها في دول مجلس التعاون الخليجي وفقا للوائح اتفاقية الاتجار الدولي في أنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض (سايتس)، وإبراز الدور الاقتصادي والاجتماعي للمحميات الطبيعية تحقيقا لـ"رؤية 2030".
هذا العشق الأزلي المتوارث من الأجداد للآباء، ارتبط بشكل وثيق بالشعر والقصائد الحماسية، ليكون الجمهور على موعد مع كوكبة من نجوم الشعر الخليجي على مدى خمسة أيام، وهم الشعراء عبدالله بن راجس، علي بن حمري، محمد بن فطيس الحمري، فلاح بن ذروة، سيف المنصوري وضيدان بن قضعان، فيما يلقي الرواة أمتع القصص والحكايا الشعبية.

الصقار الصغير

لا أجمل ولا أبهى من تفاعل الجيل الجديد مع الإرث القديم، لعل هذا سر جمال المعرض، حيث يتفاعل الأطفال مع مختصين في تربية الصقور في فعالية "الصقار الصغير"، للتعريف بهواية عريقة سادت بين أبناء الجزيرة العربية منذ قرون خلت.
هذا ليس كل شيء، ففي معرض الصقور ألعاب تعرف الأطفال بالعادات التاريخية، وتمنح العراقة لمسة عصرية تجذب الطفل، لتسهم في تحقيق مستهدفات المحاور الثقافية لـ"رؤية 2030".
يتجاوز معرض الصقور والصيد الأفكار التقليدية، ففي فعالية "الواقع الافتراضي" يمكن أن ترتدي نظارة تقنية، التي تنقل لك تجربة عيون الصقر، لتحلق في سماء مدينة الرياض من خلالها، فضلا عما يشبه المحاكاة لتجربة متكاملة كان يمارسها هواة الصقور والصيد عبر التاريخ.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون