FINANCIAL TIMES

استحالة استعادة العقار عصره الذهبي في بريطانيا

إن كان هناك من شيء واحد بوسعه أن يدفع الصحافيين الماليين في بريطانيا إلى تشتت الانتباه، فهو المشاهير.
في عطلة نهاية كل أسبوع، تجري صفحات المال في مقابلات مع عديد من الأشخاص شبه المشهورين، تسألهم خلالها عن الطريقة التي يستثمرون بها.
وفي عطلة نهاية كل أسبوع، يقول الأشخاص شبه المشهورين إنهم لا يستثمرون في البورصة، أو يعمدون إلى الادخار في معاش تقاعدي، لأنه معقد جدا.
إنهم يستثمرون في العقارات بدلا من ذلك. ويقولون إنك إذا اشتريت مسكنا سيكون لديك شيء "تستطيع رؤيته": أنت "تعرف أين أنت حين تكون ضمن المباني المادية".
المشكلة مع هذا بسيطة. قد تعتقد أنك تعرف مكانك مع المباني المادية. على أن الحقيقة هي أنك على الأرجح لا تفعل – إلا إذا كان لديك فهم كامل لكيفية تحوّل الاتجاهات السكانية، وأسعار الفائدة والأولويات السياسية خلال القرن الماضي، وكيف أنها يمكن أن تتحوّل مرة أخرى خلال العقد التالي.
لمجرد أن الفترة التي أصبح معظمنا فيها بالغين قد شهدت واحدة من أقوى طفرات نمو أسعار العقارات غير المتوقف، فإن هذا لا يعني أن من المنطقي أن نحمل استمرار هذا النمو إلى أجل غير مسمى. مثل ذلك الوضع، قد لا يتكرر، أو على الأقل، ليس بالنمط نفسه أو القوة والاتجاه.
أحدث دراسة حول عائد الأصول طويلة الأجل من "دويتشه بنك"، كتبها جيم رايد وفريق من المحللين تُلقي نظرة مناسبة على الأدلة.
تبيَّنَ أن أسعار المساكن سريعة الارتفاع في المملكة المتحدة هي ظاهرة حديثة نسبيا. فقد ارتفعت في المتوسط بنسبة 3 في المائة سنويا بالأرقام المُعدّلة وفقا للتضخم منذ عام 1939 (ما مجموعه 834 في المائة).
قبل ذلك انخفضت في الغالب – بنسبة 50 في المائة بالأرقام المعدّلة وفقاً للتضخم من عام 1290 حتى عام 1939.
من الواضح أن هذه البيانات ليست دقيقة – حيث يُشير رايد إلى أن سوق الإسكان تغيرت كثيرا بحيث لم يعد بإمكاننا التعرف عليها خلال الأعوام الـ 800 السابقة، وأن الأرقام تم تجميعها باستخدام "كثير من الافتراضات".
مع ذلك، تستطيع أن تفهم الفكرة العامة. ربما ينبغي على المشاهير لدينا قضاء وقت أقل في افتراض أن مستقبلهم المالي سيكون هو ماضيهم المالي نفسه، وينبغي أن يتاح لنا وقت أكثر لطرح سؤالين: ما الذي تغير في منتصف القرن الماضي؟ وهل سيعود هذا التغيير؟

تغيّر العالم في 1796 .. بداية الثورة الصناعية
الجواب عن السؤال الأول يقودنا إلى التركيبة السكانية. بدأ العالم يتغير في عام 1796 عندما أدخل إدوارد جينير أول لقاح ضد الجدري (القاتل الرئيس في ذلك الوقت)، وبالتالي أوجد ارتفاعا عجيبا في متوسط العمر المتوقع، وبدايات ارتفاع عدد الأشخاص في العالم: ارتفع عدد السكان في العالم بنسبة 0.17 في المائة سنويا حتى عام 1820، ولكن بنسبة 0.98 في المائة سنويا منذ ذلك الحين حتى عام 2000.
(وبالمناسبة، هذا الارتفاع هو الذي سمح بحدوث الثورة الصناعية). مع ذلك، الأعوام الـ 70 الماضية – تلك التي يستخدمها معظمنا كخريطة للمستقبل – هي التي كانت عجيبة بشكل حقيقي: من عام 1950 حتى عام 2000 زاد عدد السكان العالمي بأكثر من الضعف، من 2.5 مليار إلى نحو 6.1 مليار.
كان لهذا كل أنواع العواقب – وهي عواقب طالما كانت تبدو محيرة إذا كنت لا تفهم السكان، إلا أنها تبدو متوقعة إلى حد ما إذا كنت تفهم السكان.
إذا نظرت بشكل صحيح إلى معدلات المواليد في مجموعة البلدان السبعة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لن تتفاجأ من أن التضخم ومعدل البطالة ارتفعا في السبعينيات، في الوقت الذي بدأ فيه (جيل الانفجار السكاني، أي مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية) "يتنافسون من أجل الوظيفة الأولى". وأخذ ذلك الجيل يستهلك الموارد العالمية على نطاق واسع، كما يقول بول هودجز، رئيس مجلس إدارة شركة الاستشارات الاستراتيجية القائمة في لندن "آي إي سي" IeC.

جيل الانفجار السكاني في الثمانينيات
كنت ستتوقع أن تبدأ البورصات بالازدهار في الثمانينيات، لأن جيل الانفجار السكاني نفسه، قد انتقل إلى الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، وبدأ يضع المال في الاستثمارات لتمويل تقاعده.
وبالتأكيد كنت ستعرف أن جميع الأطفال الذي نشأوا في حالة الاستقرار المرفه لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، سيرغبون في تكوين أسرهم الصغيرة، وسيشعرون بالتشجيع من ارتفاع الرفاهية العالمية للقيام بذلك ضمن مساكن أكبر وأفضل من مساكن آبائهم. ربما تكون قد لاحظت أيضا القوة السياسية لجيل الانفجار السكاني، وخمنت أنه سيتم تشكيل البيئة التنظيمية بحيث تكون مناسبة لهم – لنفكر بالإعفاء الضريبي على مدفوعات القروض العقارية، وعدم فرض ضريبة على مكاسب رأس المال على مبيعات المنازل الأولية في المملكة المتحدة، على سبيل المثال.
وهكذا بدأ الأمر. الطلب كان يرفع الأسعار – ورفعها بالذات في بريطانيا ذات العرض المنخفض حتى، أكثر من أي مكان آخر، في بلدان الغرب المتقدمة.
مع ارتفاع الأسعار، اكتشف جيل الانفجار السكاني أن المساكن كانت تبدو وكأنها نقطة مهمة للاستثمار، واشتروا أكثر بسبب ظهور نظام طبع النقود الورقية (الانهيار النهائي لأي ربط للدولار بالذهب في عام 1971، كان يعني أن عرض المال كان قادرا على الارتفاع مع عدد السكان).
نصف المستثمرين الذين يشترون من أجل التأجير البالغ عددهم نحو 2.5 مليون في المملكة المتحدة، يقولون الآن إنهم مستثمرون "في صناديق المعاشات التقاعدية"، فهم يملكون منزلا واحدا للعيش فيه وآخر كاستثمار، وفقا للحكمة الشعبية الرائجة: (منزل تعيش فيه، ومنزل تعيش عليه).
يقول رايد إن "الإسكان هو أقوى الأصول الحساسة لعدد السكان في نهاية المطاف"، ربما. ويضيف: "في جزيرة صغيرة مع سيطرة شديدة على بناء المنازل الجديدة، فإن ارتفاع معدل النمو السكاني مع العرض المحدود، لا بد من أن يؤدي إلى ضغط متصاعد هائل للأسعار خلال العقود العديدة الماضية".

تأثير نهاية الارتباط بقاعدة الذهب
هو محق بالطبع، لكن من الجدير الإشارة إلى أن الأمر برمته لم يكن سيحدث بدون الدعم التام من البنوك المركزية. إحدى نتائج النمو السكاني كان إلغاء الربط الرسمي بين العملات والذهب، وهو أمر سمح للحكومات والبنوك المركزية بطباعة النقود وتغيير أسعار الفائدة كما تشاء.
هذا، بدوره، منحنا فترة طويلة من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية – ما أدى إلى رفع أسعار المساكن إلى عنان السماء.
في المملكة المتحدة، انخفضت التكلفة الفعلية الشهرية لشراء مسكن بشكل عجيب بعد الأزمة المالية، وكانت ثابتة إلى حد ما لعدة أعوام. حتى في الوقت الذي ارتفعت فيه الأسعار، فإن الانخفاض في أسعار الفائدة أبقى تكلفة القروض العقارية للشراء على حالها، إلى حد كبير.
نأتي الآن إلى السؤال الثاني: هل سيعود كل هذا التغيير؟ هل من الممكن أن ننتقل إلى عصر ثابت من انخفاض أسعار المساكن، مرة أخرى؟ نعم.
حين تستمع إلى المتشائمين قد تعتقد أن عدد السكان العالمي سيتضاعف قريبا مرة أخرى، إلا أن معدل النمو بلغ ذروته منذ فترة طويلة (في عام 1968 بنسبة أعلى بقليل من 2 في المائة سنوياً).
ثم انخفض الآن إلى 1 في المائة. المحرك الرئيس طوال الأعوام الـ 70 الماضية غير العادية يتراجع: من الأرجح أن يكون جيل الانفجار السكاني الآن بائعين، وليسوا ضمن المشترين.
يمكنك الجدال بأن جاذبية المملكة المتحدة كمكان للعيش تعني أن عدد سكاننا سيرتفع إلى أجل غير مسمى، وكذلك ستفعل أسعار العقارات – إلا أن تحقق ذلك يتطلب أن يكون عليك تكديس كثير من الافتراضات فوق بعضها بعضا: أن المملكة المتحدة ستظل مرغوبة؛ وأنها ستظل مرغوبة بما فيه الكفاية، بحيث أن الأشخاص كلهم، سيسعدهم أن يدفعوا علاوة ضخمة مقابل اقتناء منزل فيها؛ وأنها ستبقى مفتوحة أمام مستويات عالية من الهجرة.
في الوقت نفسه، بدأت أسعار الفائدة بالارتفاع مرة أخرى. يُشير جيم رايد إلى أن الفترة بين عام 1950 وعام 2000 وكيف كانت "لا مثيل لها في التاريخ البشري أو المالي من حيث النمو السكاني أو النمو الاقتصادي أو التضخم أو أسعار الأصول". وقد تبقى على هذا النحو.

دوام الحال .. من المحال
الأسوأ (بالنسبة للذين يريدون أن ترتفع أسعار المساكن إلى الأبد)، فإن القوانين تتغير. تلك سنة الحياة، في كل زمان ومكان. في المملكة المتحدة، الارتفاع السريع في أسعار المساكن أوجد فئة من الفائزين وأخرى من الخاسرين.
يشعر الخاسرون بأنه لم يعد بوسعهم التحمل – وحكومتنا التي تعاني ضائقة مالية تقف الآن في صفهم.
لذلك، تضرر مشترو المسكن الثاني بسبب ارتفاع ضرائب البلديات وحلول معدل إضافي من رسوم الدمغة (ثلاث نقاط مئوية إضافية).
شهد المستثمرون الذين يشترون من أجل التأجير انخفاضا حادا في نطاق الإعفاء الضريبي المتاح لهم على دخلهم من الإيجار، فضلا عن عودة السلطة إلى المستأجرين (في اسكتلندا على وجه الخصوص)، ومتطلبات أكثر صرامة لتثبت قدرتهم على الدفع في طلباتهم للقروض العقارية، ومجموعة كبيرة من قواعد كفاءة الطاقة وقوانين الترخيص الجديدة.
كما أنهم يدفعون أيضا ضريبة على مكاسب رأس المال بنسبة 28 في المائة عندما يبيعون عقاراتهم (وبنسبة 20 في المائة على كل شيء آخر).
هناك أيضا دعوات لفرض ضرائب جديدة على الثروة على جميع العقارات في المملكة المتحدة – أو زيادات حادة في ضرائب البلدية على أعلى شريحة. جميع الأحزاب الأربعة الرئيسة في المملكة المتحدة تظهر اهتماما كبيرا بفرض ضرائب على قيمة الأراضي، وفي إلغاء الإعفاءات الضريبية المتبقية لأصحاب العقارات.
الموازنة الأخيرة لم يكن فيها كثير، لكن تم تحديد مساحة لإجراءين مهمين: تخفيض في إعفاءات ضريبة مكاسب رأس المال على المساكن، التي كانت فيما مضى مساكن رئيسة، وعلاوة على ضريبة إضافية بنسبة 1 في المائة للمقيمين غير البريطانيين، الذين يشترون عقارات في المملكة المتحدة. هذه الصورة لا تبدو جيدة، أليس كذلك؟
بالتالي متى سيبدأ التحوّل إلى الوضع الذي كان طبيعيا في سوق الإسكان قبل 80 عاما؟ يمكنك الجدال (وهودجز سبق في فعل ذلك) أنه بدأ في عام 2000، في الوقت الذي بدأ فيه جيل الانفجار السكاني الانخفاض، بدأت الطفرة في 2009 فقد كانت تلك اللحظات الأخيرة لسوق سوف تتباطأ قريبا.
مع عدم اليقين بشأن "بريكست" الذي يحيط بنا جميعا، حيث إن تداعيات الأزمة المالية لم تنقشع تماما، من الصعب معرفة ماذا يسبب ماذا.
إذا نظرنا إلى لندن فإن هذا سيبدو منطقيا: انخفضت أسعار المساكن والشقق الممتازة في لندن بنسبة 30 و25 في المائة، على التوالي، منذ ذروتها قبل عدة أعوام ومعظم البيانات الآن تظهر أن الأسعار في جميع أنحاء البلاد، سترتفع بشكل طفيف أقل من التضخم.
سوف يكون هنا تقلب لفترة من الوقت – على سبيل المثال من المحتم حدوث انتعاش في أعقاب "بريكست"، ومن المرجح حدوث موجة من التضخم في أسعار المواد الاستهلاكية خلال العقد المقبل، (تستطيع أن ترى ذلك من خلال ارتفاع الأجور)، وهو أمر ربما يجعل الاحتفاظ بأصول حقيقية مثل العقارات أسوأ فكرة في العالم. إذا عادت الأسعار إلى متوسطاتها على الأمد الطويل للغاية، فإن الفترة التي حقق فيها جميع مشاهيرنا ثرواتهم العقارية، سوف يتبين لهم أنها كانت مجرد فترة شاذة بشكل هائل من الناحية التاريخية.
أود هنا فحسب، أن أعرف ما الذي سيقوله هؤلاء بعد 30 عاما.. حينما يُسألون أيهما تفضل: "العقارات أم التقاعد؟"

*رئيسة تحرير مجلة موني ويك Money Week

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES