التغير الاجتماعي والمجتمع السعودي في 2030

|


كما أشار أحد الفلاسفة "فإن الشيء الثابت في الحياة هو التغير المستمر"، لذلك تشهد المجتمعات البشرية تغيرا مستمرا، سواء نتيجة تخطيط منظم ومقصود أو مواكبة لرياح التغير الذي تمر به دول العالم دون استثناء. ولا يختلف اثنان على أن هذه التغيرات التي تمر بها المجتمعات، التي ازدادت إيقاعاتها في الوقت الحاضر، تحدث تطورات – مباشرة أو غير مباشرة - في كثير من جوانب الحياة، منها هوية الفرد وشخصيته وقيمه وسلوكه. من هذا المنطلق، فإن "رؤية 2030" ستعيد تشكيل هوية الإنسان وتغيّر سمات الأسرة السعودية، بما في ذلك قيم العمل والعلاقات الإنسانية، التي تشهد في الأساس تغيرا مستمرا، ليس بالضرورة بسبب برامج "رؤية 2030" فقط، بل بسبب التقدم التقني ورياح العولمة. قد يكون من السهل القول إن تغيرا ما سيحدث نتيجة "رؤية 2030"، لكن الصعوبة تكمن في تحديد ماهية هذا التغير بالتفصيل أو التنبؤ بمقدار التغير أو آثاره غير المباشرة. واستكمالا لما طرح في مقال الأسبوع الماضي حول المجتمع السعودي في 2030، يمكن الإشارة إلى النقاط المهمة التالية:
1. لا شك أن التغيرات الديموغرافية التي تمر بها المملكة خاصة ما يسمى بـ "الهبة الديموغرافية" ستؤدي إلى بقاء نسبة الشباب مرتفعة لعدد من السنوات، ما يرجح استمرار تحديات توظيف الشباب، وتواكب ذلك زيادة تدريجية في شيخوخة المجتمع نتيجة استمرار انخفاض معدلات الإنجاب بشكل ملحوظ.
2. من المتوقع أن يتمتع الإنسان في المملكة بشخصية أكثر إنتاجية، وأكثر احتراما للوقت، وأكثر واقعية في نظرتها إلى الحياة، أي تميل إلى الابتعاد عن المباهاة والإسراف في الولائم، نتيجة تأثير الظروف الاقتصادية، وتنامي الوعي بالمفهوم الحقيقي للكرم.
3. تغير في مفاهيم المجتمع حول الزواج والإنجاب، ما سيؤدي إلى استمرار انخفاض معدلات الإنجاب، نظرا إلى دخول المرأة في سوق العمل، وارتفاع سن الزواج، وزيادة تكاليف بناء الأسرة، ما قد يقلص حجم الأسرة. ويواكب ذلك انكماش للزواج التقليدي، مع ظهور أنماط أخرى تتسم بمزيد من الانفتاح.
4. حصول المرأة على الدخل سيؤدي إلى استقلاليتها، ما سيعيد تشكيل الأدوار داخل الأسرة، وربما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الطلاق على المدى القصير.
5. تزايد المساءلة والحوكمة.
6. تقبّل الأسرة السعودية السكن في الشقق وكذلك الميل إلى السكن في ضواحي المدن، نتيجة توافر النقل العام، وبسبب الظروف الاقتصادية، ومن المؤمل أن ترتفع نسبة ملكية المساكن، كونها أحد أهداف رؤية 2030.
7. حساب المواطن سيعمل على تخفيض الأعباء المعيشية والغلاء.
8. زيادة استخدام التقنية في الحياة اليومية، لن تحدث دون ثمن، فقد تؤدي إلى عدم وجود لغة مشتركة بين أفراد الأسرة، نتيجة زيادة علاقاتهم خارج إطار الأسرة من خلال "العالم الافتراضي"، علاوة على زيادة فجوة الأجيال، وغياب نماذج القدوة في المجتمع، ما سيجعل تربية الأبناء في غاية الصعوبة في المستقبل.
9. زيادة الحاجة إلى إعادة صياغة الخطاب الديني وتعزيز ارتباط التعاليم الدينية بالمعاملات والتعامل بين الناس.
10. قيادة المرأة للسيارة ستسهم في زيادة مشاركتها في العمل وفعاليات المجتمع، كممارسة الرياضة في المدارس والميادين العامة، وكذلك حضورها في الملاعب والمسارح بدرجة أكبر.
وأخيرا تحسن الإشارة إلى أن طفرة التغير في القيم لا بد أن ينسجم معها المجتمع ويعدلها أو يهذبها ويتصالح معها مع مرور الوقت. وبما أن التعليم هو المفتاح السحري لنهضة المجتمع وضمان التغير الإيجابي الذي يرفع الإنتاجية ويحد من البطالة والظاهرات السلبية الأخرى، فينبغي أن يكون تطويره أولوية قصوى، مع ضرورة رصد أي إرهاصات لردة فعل بعض فئات المجتمع التي لا تتقبل التغيير أو يثير قلقها التغير الاجتماعي السريع. في السياق نفسه، أتمنى أن تتحرك الجامعات لمواكبة التغيرات التنموية ومتطلبات التغير الاجتماعي الذي يمر به المجتمع، وتقوم بإيجاد برامج وتخصصات جديدة تلبي احتياجات سوق العمل المستقبلية، بما فيها مهن المستقبل.

إنشرها