كيف نحقق النجاح؟

|

نقرأ كثيرا خبر حصول هذه الإدارة أو تلك الشركة على شهادة الآيزو، ويصاحب الخبر ابتهاج وسعادة القائمين على الإدارة بالإنجاز الذي تحقق، ذلك أن الإنجاز المتوهم يُحسب لهم. وقد تحول الاهتمام بهذه الشهادة والحصول عليها إلى ما يشبه الموضة، مثلها مثل الجامعات التي جعلت من ترتيب مركز شنغهاي أو مجلة التايم وغيرهما من وسائل الإعلام أسلوبا جاذبا لقرائها، رغم أن المؤشرات التي تعتمد عليها هذه الجهات ما هي إلا مؤشرات عامة، لا تكشف وتبرز الإنجازات الحقيقية. ولا ننكر القيمة المعنوية للحصول على شهادة الآيزو في الإدارة، أو الحصول على مركز متقدم في ترتيب الجامعات، رغم أن هذا قد يكون مضللا، ويصرف النظر عن الاهتمام بالجودة.
في الدول المتقدمة، مقياس النجاح في الإدارة، سواء كانت إدارة مصنع أو جامعة أو شركة خدمات، يتمثل في المنتج، سواء كان ماديا أو خدميا، فمصنع السيارات يحكم على نجاحه من خلال عدد السيارات المصنعة والمبيعة، ورضا الجمهور عن المنتج، إضافة إلى الربح، كما أن جودة إدارة المستشفى تتمثل في القدرة على تقديم الخدمة الطبية لطالبيها، حسب الإمكانات المتوافرة، وبالشكل الجيد، كنجاح العمليات، واستفادة الناس من العلاج - على سبيل المثال، كما أن رضا الجمهور عن الخدمة المقدمة يمثل رضا عن الجهة المقدمة لها، ولذا وجدت استطلاعات الرأي في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ بهدف رصد التأييد، وعدم التأييد إزاء سياسات الحكومات وقراراتها ورضاهم عن الخدمات؛ لما لها من تأثير إيجابي أو سلبي في حياة الناس.
آخر استطلاع للرأي في فرنسا، كشف انخفاض شعبية الرئيس ماكرون إلى 25 في المائة من المؤيدين، ما يعني أن خللا معينا يوجد في سياساته؛ حيث يتهم بأن سياساته تقوم على محاباة الأغنياء على حساب الفقراء، وما من شك أن هذا مؤشر على عدم رضا المواطنين، يمكن أن يستفاد منه بهدف اكتشاف الخلل في السياسات والإجراءات؛ لإصلاح الوضع، وإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي.
عندما أتأمل واقع كثير من المرافق، خاصة ذات العلاقة بالمشاريع العامة والخدمات ذات العلاقة بالجمهور أتساءل؛ سواء حازت هذه الجهة أو تلك شهادة الآيزو، أو لم تحز: ماذا سيقول الجمهور فيما لو أتيحت له فرصة إبداء رأيه في الجهات الرسمية التي يتبع لها هذا المشروع أو ذاك أو تلك الخدمة؟! فعلى سبيل المثال، شركات الاتصالات يوجد تذمر منها في المجالس، وكذلك في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الصحف، خاصة في ضعف الإرسال، إلا أن هذه تبقى رؤى فردية لا تنطبق عليها المعايير العلمية، التي تستوجب اختيار عينة ممثلة للجمهور المستفيد من المشروع أو الخدمة، حتى يمكن الاعتماد على رأيها كاستفتاء عام.
بعض مدننا شهدت خلال السنوات الماضية ما يمكن تسميته خللا في البنية التحتية والمشاريع المنفذة، فبمجرد نزول المطر، حتى إن كان بمستويات متوسطة تغلق شوارع، وتتكدس السيارات في الطرقات، وتعطل المدارس، وفي مواقع يتضرر الناس في ممتلكاتهم؛ حيث تدخل السيول بيوتهم، أو تجرف سياراتهم. والأسباب في ذلك كثيرة، أولها تخطيط المدن، حين تدفن الأودية والشعاب، وتحول إلى أحياء سكنية. أما السبب الثاني، فيتمثل في عدم وجود البنية التحتية اللازمة، كمشاريع تصريف السيول؛ حيث تم تجاهل الحاجة إليها خلال العقود الماضية، خاصة أيام الوفرة المالية الجيدة، وإن وجدت فربما لم تنفذ بشكل صحيح، وافتقاد الرقابة الجيدة، أو لعدم التأهيل.
المواطن يحكم على المطعم من خلال نظافته، وجودة الطعام، والخدمة الراقية، والبيئة الجيدة، كما يحكم على الشوارع والطرق من خلال جودة تنفيذها، ونظافتها، وخلوها من الحفر والمطبات، وسلاسة السير فيها. وهذا الأمر ينطبق على كل البضائع المستوردة، التي فيها الأصلي والمزيف، والخطر والآمن، وحكمه على هذه الأشياء حكم على الجهات ذات العلاقة بتنفيذها والرقابة عليها، أو إنتاجها. وعليه؛ لا يمكن اختزال النجاح في شهادة تمنحها جهة لا يهمها سوى الربح كشهادة الآيزو، بل إن النجاح في نظر المواطن يتمثل في جودة الخدمة، وقوة البضاعة، وحسن التعامل حين يراجع الجهة المعنية بالخدمة المطلوبة، فهل نغير من تفكيرنا للاهتمام بالجودة في معناها الحقيقي بدلا من القشور؟

إنشرها