هيئة الأمم المتحدة.. هل حقا تخدم الإنسان؟

|

خلال الفترة الماضية، استوقفتني تصريحات ودعوات مسؤولي هيئة الأمم المتحدة بشأن الحرب في اليمن والدعوة إلى إيقافها؛ نظرا لما يترتب عليها من قتل، وتدمير، وتشريد، وأمراض، وإعاقات، وهذه بلا شك نتائج أي حرب، منذ وجد الإنسان على الأرض، وكما يقول أبو تمام:

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا
وما هو عنها بالحديث المرجم

كما أن الحرب لا يتمناها أحد لتكاليفها المادية، والبشرية الباهظة، والمآسي الإنسانية المترتبة عليها، ولا يسعى لها إلا مجبر على دخولها؛ دفاعا عن نفسه، كما في حالة "التحالف العربي"، أو شقي مغامر، كما في حالة الحوثي الذي انقلب على "الشرعية"، وأدخل اليمن وأهله في حرب أهلية. الملاحظ أن هيئة الأمم تتدخل كلما اقتربت "الشرعية" و"التحالف" من تحقيق انتصار، كما في الحديدة، لكن لا نرى تدخلها والحوثي يقتل الأبرياء، ويدمر مدنهم، ويحرمهم الاستقرار، ما يشكك في الدور الذي تمارسه الأمم المتحدة، والجهات التي تخضع لنفوذها وتسهم في تحقيق أهدافها.
في قراءة تاريخية وواقعية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، تنكشف الحقائق التالية؛ حيث تأسست الأمم المتحدة عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية؛ بهدف إرساء الأمن والسلم العالميين، بعدما حصدت أكثر من 60 مليون نفس، هذه الحرب التي قادها الغرب، وطالت آثارها ومآسيها العالم كله، ها هو الغرب الآن يتحكم في الأمم المتحدة وقراراتها، رغم أن الهدف من تأسيسها حفظ الأمن والسلم العالميين، إلا أن واقع هيئة الأمم بالمؤسسات التابعة لها يشهد بخلاف ذلك، فالمنظمات التابعة لها مقارها موزعة على الدول الغربية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الأمم المتحدة ذاتها مقرها مدينة نيويورك، وكذلك البنك الدولي.
أما صندوق النقد الدولي فمقره واشنطن العاصمة، ومنظمة اليونيسكو، التي تعنى بالتربية والثقافة والعلوم، مقرها باريس، أما محكمة العدل الدولية فمقرها لاهاي في هولندا. الوكالة الدولية للطاقة الذرية تأسست عام 1957، ومقرها فيينا في النمسا. منظمة الأغذية والزراعة الفاو تأسست عام 1945 ومقرها روما، التي تعنى بمحاربة الجوع، مع أن الملايين يعانون العوز والجوع في دول عدة وعبر خريطة العالم. ومنظمة الصحة العالمية تأسست عام 1948، ومقرها جنيف في سويسرا، هذا الانتشار لمنظمات الأمم المتحدة عبر الخريطة الأوروبية وأمريكا يؤكد الأهداف الاستراتيجية، التي يسعى الغرب إلى تحقيقها من خلالها، بجعله مرجعية لمعالجة مشكلات العالم في المجالات السياسية والاقتصادية والبيئية، رغم أنه أول من يدمر البيئة بصناعاته وتجاربه النووية.
المشكلة في هيئة الأمم المتحدة ليست في المقار، مع ما قد يترتب عليها من تأثير سلبي في الأداء، إنما المشكلة في النفوذ، والتأثير في القرارات الصادرة من هيئة الأمم ومنظماتها، فصندوق النقد الدولي أصبح رئيسه حكرا على أوروبا، وبالذات فرنسا، والبنك الدولي تحتكره الولايات المتحدة، هذا علاوة على أن مجلس الأمن يحتكر قرارات النقض المعروف بالـ"فيتو" في أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين.
كم من الحروب اتُخذت بقرار من مجلس الأمن بضغط ومصالح متبادلة بين هذه الدول، وهناك أمثلة كثيرة على مستوى العالم، منها أن غزو العراق تم بمعلومات مزيفة، وقد اعترف بلير رئيس وزراء بريطانيا بذلك،  واعتذر لشعبه، لكنه لم يعتذر للعراق، وشعبه الذي قتل منه من قتل، وأصيب بالعاهات كثير، ودُمرت مدنه ومرافقه الحيوية، والآن تعترف الولايات المتحدة بأن وكالة استخباراتها السي آي أي أعطت معلومات مغلوطة ومضللة للإدارة الأمريكية في ذلك الوقت، ومرت الجريمة دون محاسبة للدول التي غزت ودمرت العراق، ما يؤكد روح التعالي والغطرسة التي تتصرف بها دول الغرب، مع نظرة دونية للعالم الآخر، الذي لا يشاطرهم العرق واللون والدين والثقافة العامة.
الغرب يشن الحروب متى شاء، ويوقفها متى شاء، ويحرض عليها متى ما كانت تدر على خزانته الأموال الطائلة من بيع السلاح والاستشارات، صحيح أن ما مكنه من فعل ذلك امتلاكه نواصي القوة الاقتصادية والمعرفية والتقنية والعسكرية، ولذا كل من يفتقد عناصر القوة يضطر إلى التحرك في فلك الغرب، مع أن بعض الدول لديها من الإمكانات ما يؤهلها لامتلاك القوة، وفرض أجندتها، بل يجعل منها دولا عظمى، إلا أن أولوياتها معكوسة، فاهتماماتها تركز على الأمور الهامشية، مع إهمال واضح للصناعة، إضافة إلى عدم السعي إلى الاستقلال في القرار السياسي.

إنشرها