إدارة المخاطر ليست الأمن والسلامة

|
في مقالات سابقة أشرت إلى أهمية، بل ضرورة التحول إلى إدارة المخاطر بمفهومها الحديث والمتطور جدا، وأشرت إلى أن إدارة الجودة الشاملة أو حتى التميز المؤسسي لم تعد مناسبة، بل لقد تسببت في أزمات كبيرة، وتراجع في بيئة العمل، بل حتى الإنتاجية، والأدلة على أن الجودة قادت إلى مزيد من الإنتاجية وتحسين المنتج لم تزل غير دقيقة وغير وافية، رغم حجم التجارة الرائجة اليوم في هذا المجال. وفي نظري أن السبب يعود إلى أن فلسفة الجودة مرحلة سابقة لفلسفة المخاطر، وعندما نحلل الأعمال، ونهتم بالرأي، وما يطلبه العملاء، وما يرضي الموظفين، نظن أننا نعمل في إطار الجودة وتحسين المنتج، والحق أننا ودون أن نشعر نعمل في إدارة المخاطر، ولهذا فلم تكن المخاطر مدركة بالشكل المناسب، لكن ما السبب الذي جعل المخاطر غير مدركة بالشكل الصحيح والمناسب؟ إن ذلك - في نظري - يعود إلى مفهوم الأمن والسلامة، الذي كان ولم يزل مهيمنا على التفكير عندما نتحدث عن المخاطر بشكل مطلق. الأمن والسلامة مهمان جدا، وهما جزآن أصيلان من إدارة المخاطر، لكن التفكير الأمني المتعلق بحياة الإنسان وسلامته هو الذي سيطر تماما على إدارة الأمن والسلامة، وعلى أساس أن هذا هو ما يفكر فيه منسوبو هذه الإدارة، فيتم بناء على ذلك وباستمرار تحديد وحصر المخاطر التي تجب مواجهتها في مخاطر الحرائق والإسعاف الطبي، وأيضا تعرض العاملين لحوادث العمل، هذا المفهوم المحدود، بل العقيم جدا للمخاطر، هو الذي جعل شركات التأمين تنحصر في قضايا التأمين المتعلقة بهذه المخاطر الأمنية والصحية، التي ترتبط بالإنسان، وتعويضات الخطر المتعلقة بها وبإصابات العمل. لعلي هنا لا أنكر أهمية العمل الذي تم طوال عقود على موضوع الأمن والسلامة وعلاقتها بالتأمين، فلقد حققت البشرية كثيرا من التطور الأمني والصحي، ليس بسبب الحرص على سلامة الإنسان في ذاته، بل خوفا من التعرض لمخاطر ضياع أو تكبد التعويضات المالية الضخمة، وهذا ظاهر وجلي، فالدول التي تنخفض فيها قضايا التعويض ضد الإصابات، أو أن التحمل بسيط جدا على شركات التأمين، فإنها لا تفرض قيودا كبيرة على الشركات والمؤسسات من أجل السلامة وتطوير أدواتها وطرقها وإجراءاتها، ولهذا تجد الإهمال الأمني والبيئي والصحي في أركان المؤسسة، بل حتى البلاد، مهما بدت بعض المؤسسات وكأنها مرتبة وبيئة عمل جاذبة، بل تحصد الجوائز، وفي الدول التي يتم فيها دفع تعويضات ضخمة للعاملين عن الإصابات أو التعرض لفشل الحصول على قيمة التأمين سواء للمؤسسة أو العامل، إذا ثبت أن العامل أو مؤسسته قد أخلا بقواعد السلامة والأمن المنصوص عليها في عقد التأمين، هنا تجد تطورا ملحوظا جدا في التشديد الأمني، وتتبع إجراءات السلامة، وممارسة الصحة العامة في المؤسسات، هكذا تجد بوضوح أن القضية ليست "خطر التعرض للإصابة" كما يبدو لأول وهلة، بل هناك خطر آخر تماما، أشغل العالم، وقاد لكل التطور الذي نشهده، وهو "خطر فشل الحصول على التأمين"، والفرق واضح، فهذا خطر مالي وليس خطرا أمنيا مثل السابق، من يؤمن بذلك معي فعليه البدء من الآن في دراسة إدارة المخاطر بفلسفتها ومفاهيمها الجديدة. عندما ننشئ مؤسسة "حكومية أو خاصة، صغيرة أو كبيرة"، فإنها كالكائن الحي، تريد الحياة والبقاء، تريد النمو، ودونها ودون ذلك مخاطر كبيرة جدا، هي من طبيعة الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعمل فيها. حياة المنشآت هي في أهدافها، كلما تحققت الأهداف عاشت واستمرت، وإذا تعرضت الأهداف للمخاطر التي تهددها وتستنفدها، فقد ماتت المؤسسة معها، لهذا لا يمكن أن تحيا مؤسسة حياة سليمة دون وضوح أهدافها وسلامتها، من يُرِد أن يبدأ أي مؤسسة دون أن يعرف ما هدفها أو غرضها، فإنه ينشئ كائنا حيا معاقا بشدة، لا يلبث أن يتعرض لخطر الموت. إذا كان هدف المنشأة هو الربح "مثلا"، فإن هذا الربح يتعرض لمخاطر أكثر من مجرد حريق المحل أو المستودع "كما تؤرقنا به إدارة الأمن والسلامة"، بل قد يسرق العاملون الدخل أو النقدية أو المنتجات، فكيف يتحقق الربح مع وجود خطر سرقة النقدية والأصول. لن يتحقق الهدف ما لم يعمل المدير نفسه على حمايته من كل المخاطر، لذا فإن على المدير أن يضع الإجراءات التي تحميه. وهنا يتضح عمل إدارة المخاطر وعمقها، فكل مدير يجهل أهداف مؤسسته ولا يعرف المخاطر التي قد تصيب أهداف المؤسسة ولا يعرف كيف يحمي الهدف ويطور الإجراءات ويتابعها ويراقبها، لا يصلح للمؤسسة والعمل فيها. هذه هي الحياة في المؤسسات، ومن أجلها تقوم المؤسسات بتوظيفنا، ونجد لنا مكانا بين أروقتها لنحميها، عندما تشعر المؤسسة بأننا "نحن الخطر"، فإنها تعمل بكل قوة على التخلص منا، وإذا فشلت فقد مرضت وقد تموت.
إنشرها