في بناء الذات

|

هل كل الناس يسلكون الأساليب والطرق نفسها في بناء ذواتهم، وتدبير معيشتهم، وتسيير حياتهم؟ لا، فالناس أطياف متفاوتة في تنظيم وتدبير حياتهم، وعلى قدر جودة التخطيط ومقدار الجهد المبذول يكون الإنجاز، وتتحقق الأهداف، في الغالب، وليس الناس متساوين بشكل مطلق في الفرص المتاحة لهم، فالتعليم الذي هو الخطوة الأولى في بناء الذات؛ لما له من أثر في بناء الشخصية، واكتساب المعرفة، وصقل القدرات، وإنضاج سمات الشخصية، لا يتوافر لكل أحد، فالفرصة توجد في الدول المستقرة الآمنة، ذات الأنظمة والقوانين العادلة، غير المميزة بين الفئات الاجتماعية، إلا أنها لا تتوافر في الدول المضطربة، فاقدة الأمن، كما أن الفرصة قد تتوافر لكن يُحرَم من التعليم من ظروفه الاقتصادية تجبره على ترك مقاعد الدراسة.
باكتساب أفراد المجتمع مستوى جيدا من التعليم، والخبرة، ومهارة التعامل يدخل الجميع إلى ميدان الحياة يتنافسون في كسب الرزق في التجارة والصناعة والوظائف متى ما زال احتكار السلع، أيا كانت هذه السلع من قبل ذوي النفوذ والسلطة، "دعوا المسلمين يرزق الله بعضهم من بعض"، وفي هذا مبدأ تكافؤ الفرص "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور"، الآية الكريمة تمثل مبدأ عاما يتيح الفرصة للجميع دون استثناء لأحد؛ لكسب الرزق، فالأرض على سعة مساحتها متاحة للجميع للمشاركة في بنائها، وعمارتها، كل حسب قدرته، ومهارته، وهمته، والأهداف التي رسمها لنفسه، أو بتحفيز من أسرته، ومجتمعه الذي يتطلع إلى مشاركة الجميع لتحقيق برنامج تنموي يستفيد منه كل الناس.
تحديد الأهداف، وعمل الخطة الزمنية، وتوفير المتطلبات اللازمة تمثل خطوة جوهرية لابد منها، لكن بعضهم لا يعبأ بذلك، فليس لديه أهداف، ولا خريطة عمل يتبعها، إنما تصرفاته تتم بلا توجه واضح، ولا مقياس، ومحكات تتم بموجبها معرفة ماذا تحقق من أهداف، وكم نسبة ما تحقق من الهدف إن كان لا يوجد إلا هدف واحد، وفي حال لم يتحقق الهدف لا يوجد اهتمام في البحث عن أسباب ومعوقات ذلك.
من واقع الحياة، ومن سبر لبعض الحالات، وجدت طيفا من الناس يتباينون في سلوكهم وطرائقهم في تحقيق أهدافهم، وتسيير حياتهم، ومن هذه الأطياف من يعتمد الحيلة، والغش، وسرقة حقوق الآخرين، والتطفيف في الميزان مع الآخرين، حتى لينطبق عليهم المثل القائل: "من عاش بالحيلة مات بالفقر"، ولذا يعيشون حياتهم بلا هناء، ويعانون التعاسة، والبؤس النفسي، حتى إن ظهرت عليهم آثار الغنى، لكنه غنى كاذب، هؤلاء يديرون حياتهم وفق مبدأ الغاية تبرر الوسيلة؛ إذ لا محرمات لديهم طالما تحقق المال.
فئة ثانية من الناس مكافحون، يبذلون من الجهد والوقت الشيء الكثير، جادون في تحقيق الهدف الذي رسموه، حتى لو اعترضتهم العوائق، لا يستسلمون للظروف فيتقاعسون، بل يبحثون عن هذه المعوقات، ويجتهدون في البحث عن حلول لها، ولا مجال لليأس والاستسلام للظروف، مهما كانت وطأتها، وشدتها، وقد تتحقق الأهداف أو لا تتحقق رغم سعيهم الحثيث، وينطبق عليهم قول الشاعر:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

أما الفئة الثالثة، فهم شغوفون ببناء حياة كريمة، إلا أنهم من الضعف بمكان؛ حيث يستسلمون لأبسط الظروف التي تعترضهم دون أدنى مقاومة، مع تميزهم بالنزاهة والطهر، إلا أن الهشاشة النفسية لا تمكنهم من تحقيق الأهداف، وغالبا ما يعزو هؤلاء إخفاقهم إلى الحظ والظروف الخارجية، في دلالة واضحة على عجزهم الداخلي.
فئة رابعة ليس لديهم طموح ألبتة، وكل ما يتطلعون إليه هو توفير الاحتياجات اليومية التي لابد منها، حتى إن وضع هؤلاء أقرب ما يكون إلى الشلل التام، وتخلو حياتهم من النشاط والحيوية، بل إن حياتهم تكون بصورة الاعتماد التام على الآخرين، وما يجودون به عليهم من عطايا ومساندة، وهؤلاء يمثلون حالة ضعف في المجتمع، رغم أن لديهم مهارات وقدرات يمكن تطويرها والاستفادة منها، إلا أنهم لا يسعون إلى ذلك، ولا يسمحون لأي طرف يسعى إلى تطويرهم للاعتماد على أنفسهم. الفئة الخامسة، أسميها فئة أحلام اليقظة، ديدنها التمني، تمضي حياتها في الابتعاد عن الواقع، وعدم مباشرة الأمور، والتعامل معها كما يجب، وينطبق عليها مَثَل حامل جرة العسل على رأسه الذي يمني نفسه بالزواج، ويرزق بطفل يقوم بتربيته، وتأديبه، وضربه، لتنكسر الجرة، وينسكب العسل على الأرض؛ فيفقد الجرة والعسل، وهو بهذه الأحلام يضيع عمره في مهب الريح.

إنشرها