حاضنات الأعمال .. وآفاق المستقبل

|

في لغتنا العربية الجميلة يأتي فعل "حَضَنَ" بمعنى "رعى وربى"، وكذلك "أبعد عن كل مكروه". بهذا المعنى يحضن الوالدان أبناءهما، ويحضن الكبير الصغير، ويحضن القوي الضعيف. وفي اللغة الإنجليزية يأتي فعل "حضن Incubate" ليعبر عن تأمين البيئة اللازمة للمحضون كي ينمو. وتمتد أمثلة الحضانة لتشمل ليس فقط نشأة الإنسان، بل تنمية النباتات في الحاضنات الزراعية، وتنمية الدجاج في حاضنات البيض، وغير ذلك. وتستمر الحضانة عادة طالما استمرت حاجة المحضون إليها؛ حيث تتلاشى مع نجاحها في إيصاله إلى مستوى النضج المطلوب.
في سبيل تفعيل الأفكار والمبتكرات ونقلها إلى أرض الواقع عطاء يحمل قيمة، برز موضوع "حاضنات الأعمال" التي تهتم بتأمين البيئة اللازمة لنمو الأفكار والمبتكرات، والعمل على تحويلها إلى أعمال ناجحة، تقدم معطيات تؤدي إلى توليد الثروة، وتشغيل اليد العاملة، والإسهام في التنمية، وتعزيز استدامتها. وتقول وثيقة صادرة عن "برنامج تطوير المعلومات Info-Dev" المهتم بالارتقاء بالابتكار وريادة الأعمال، التابع للبنك الدولي: إن بداية حاضنات الأعمال كانت في الولايات المتحدة، وجاءت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. وتقول الوثيقة إن عدد هذه الحاضنات في العالم، في الوقت الحاضر، بات يقدر بالآلاف، وهي موزعة على مختلف أنحاء العالم.
يقدم "برنامج تطوير المعلومات"، سابق الذكر، طرحا لمتطلبات بناء حاضنات الأعمال، من خلال مجموعة من "الأجزاء Modules"، متوافرة كنشرات على موقع البرنامج على الإنترنت. ويختص كل جزء من المجموعة بموضوع من موضوعات الحاضنات أو بخدمة تقوم الحاضنات بتوفيرها. هناك أجزاء تهتم ببيان أسس الحاضنات وخدماتها ومقومات نجاحها، وهناك أخرى تركز على نشاطات إقامة الحاضنات مثل التخطيط لها، وتأمين التمويل اللازم لعملها، والقيام بإدارتها، ومراقبة أدائها والعمل على تطويره. ثم هناك أجزاء تتعلق بالإرشاد والتوجيه والتأهيل اللازم للمبتكرين الجدد، والتمويل الذي يحتاجون إليه، والتسويق المطلوب، إضافة إلى أخذ مسألة التحول الرقمي وطرح موضوع الحاضنة "الرقمية Digital" أو "الافتراضية Virtual" في الحسبان.
يساعد ما سبق على بناء حاضنات الأعمال وتفعيل خدماتها. وقد وضعت "الجمعية الوطنية لحاضنات الأعمال NBIA" الأمريكية تعريفا لها يقول التالي: "تقوم حاضنات الأعمال بتفعيل نمو مؤسسات ريادة الأعمال المرتبطة بها والساعية إلى خدماتها؛ حيث تساعدها على الاستمرار والتطور خلال فترة البداية التي تتسم بعدم الاستقرار. وتشمل برامج الحاضنات تقديم خدمات لدعم أعمال المؤسسات الناشئة، وتوفير المصادر اللازمة لانطلاقها. ولهذه الحاضنات أهداف مهمة مشتركة تتضمن: تشغيل اليد العاملة في المجتمع الذي تعمل فيه، وتنشيط بيئة ريادة الأعمال فيه، والمحافظة على الأعمال القائمة، وبناء أو تسريع النمو في الصناعات المحلية، وتأمين تعددية المصادر الاقتصادية المحلية".
وتعطي "الجمعية" سابقة الذكر إضافات مبسطة للتعريف السابق. وتشمل هذه الإضافات القول: "إن حاضنة الأعمال مؤسسة تعمل على مساعدة المؤسسات الناشئة على النمو عبر تقديم خدمات تتضمن المكان والإدارة والتدريب". وتتضمن الإضافات القول أيضا: "تعمل حاضنة الأعمال كوسيط أو كعامل تفعيل للتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي في إطار مجتمعات المناطق، وعلى المستوى الوطني في إطار الدولة المعنية.
ومع توجهات العالم نحو الاعتماد المتزايد على تقنيات المعلومات والاتصالات والإنترنت، وما يرتبط بها، من أجل أداء أفضل في مختلف الأعمال وفي شتى الخدمات، برزت فكرة "الحاضنة الافتراضية Virtual Incubator" أو "الحاضنة الرقمية Digital Incubator" لتقديم خدمات الحضانة للمؤسسات الناشئة، أو على الأقل بعضها، إلكترونيا بدلا عن تقديمها ماديا. ويعتبر "برنامج تطوير المعلومات" سابق الذكر، "أن الحاضنة الافتراضية هي تلك التي تقدم خدماتها إلكترونيا فقط"؛ أي أن موقع مثل هذه الحاضنة يكون في "الفضاء الرقمي"، وليس في "العالم المادي".
تتمتع الحاضنات الرقمية بثلاث مزايا رئيسة: الأولى أنها يمكن أن تتلقى أفكارا ومبتكرات من نطاق أوسع من الناس مقارنة بالحاضنات المادية، وفي ذلك ما يتيح وجود إدارة أفضل للمعرفة الكامنة لدى المبدعين والمبتكرين. أما الميزة الثانية فهي الحد من نفقات الخدمات المقدمة؛ لأنها تقدم عن بعد، فلا تحتاج إلى التنقل، ولأنها تقدم إلكترونيا فلا تحتاج إلى مكاتب خاصة ونفقات إضافية. ثم هناك الميزة الثالثة، وتتمثل في أداء أفضل، ينعم بالرشاقة والسرعة. ولكن لابد من الإشارة أيضا إلى الحاجة في كثير من الأحيان إلى خدمات مادية لا يمكن تقديمها إلكترونيا. لكن الحصيلة تبقى في مصلحة الاستفادة من التحول الرقمي بما هو متاح؛ حيث يلقى ذلك تطورا متناميا مع التقدم المستمر الذي تشهده التقنية الرقمية.
هناك حاضنات أعمال متعددة في المملكة ودول الخليج والعالم العربي، تؤدي أعمالا مفيدة في تفعيل الابتكار وترجمته إلى معطيات تحمل قيمة. ولعلنا نعود إلى بعضها والمتميز بينها في مقالات مقبلة بمشيئة الله، نستشرف نشاطاتها ونتعرف على منجزاتها. ولعل ما يجب الاهتمام به، في الوقت الحاضر، وبصورة خاصة في هذا المجال، هو "الحاضنات الافتراضية"، ولعلنا ندعوها "حاضنات رقمية"؛ ليكون الوصف أقرب إلى "الفضاء الرقمي"، الذي يستضيفها. فرشاقة أداء هذه الحاضنات، وسعة استيعابها المبدعين والمبتكرين، وانخفاض تكاليف خدماتها أسباب مهمة لتفعيل الإبداع والابتكار على مستوى المجتمعات المحلية وعلى مستوى الأوطان. ولا شك أن في ذلك إسهاما واضحا في التنمية يستحق الاهتمام.
وفي الختام نقول: لعل هذا المقال يدعو كل مؤسسة كبرى، حكومية أو غير حكومية، إلى إنشاء "حاضنة رقمية" في مجال "القطاع الذي تنتمي إليه"، يدعو الجميع من أصحاب الأفكار والمبدعين والمبتكرين إلى تقديم أعمالهم الناشئة للحضانة والرعاية والدعم والتوجيه؛ ليكون في ذلك إسهام في التنمية، وتعزيز للبيئة المعرفية، وتفعيل لاستدامتها. ولا تستغني هذه الدعوة عن التوجه بذلك أيضا إلى الجامعات ومراكز البحوث التي تغطي في عملها الأكاديمي مختلف القطاعات. فإذا كانت فيها حاضنات مادية، فلنسعَ إلى تحويلها إلى "رقمية"؛ لتوسيع دائرة الاستفادة منها. ولعل مثل هذه الحاضنات الرقمية تفتح أيضا آفاقا جديدة لإنجازات صندوق تنمية الموارد البشرية؛ حيث يمكن تفعيل العطاء الفكري والمهني لهذه الموارد المهمة.

إنشرها