FINANCIAL TIMES

مودي يشحن بطارية الهند بالوقود السائل .. وبغيره

قد لا يدرك رافي ناكفا ذلك، إلا أن محطة البنزين التي تقع على أطراف جامناجار شمال غربي الهند، هي في طليعة ثورة الطاقة التي ستغير وجه مستقبل البلاد.
على الطريق السريع في ولاية جوجارات تمر أكثر من ثلاثة آلاف دراجة بخارية ونارية وسيارة وشاحنة كل يوم.
بالنسبة له، لا يمكن أن يكون التغيير في السنوات الأخيرة أكثر وضوحًا من ذلك.
يقول هذا الرجل البالغ من العمر 82 عاماً، الذي كان يتحدث عن السبعينيات عندما كان لدى جده محطة واحدة: "كان الناس يخافون كثيرا حتى من المجيء إلى محطة التزود بالوقود، خوفا من أن يسرق شخص ما سيارتهم".
في ذلك الحين كان يتم تسليم البنزين والديزل إلى المحطة بالبراميل، بواسطة عربات تجرها الجمال.
يضيف: "لم تكن العربات ذات العجلتين والسيارات شائعة في ذلك الوقت. الآن هذا أمر عادي تماما. الناس لديهم مال أكثر من قبل، ولديهم مزيد من الوصول إلى هذه المركبات، ويطالبون بمزيد منها".
ووفقًا للأرقام الحكومية، هناك أكثر من 230 مليون سيارة تزدحم بها الطرق في الهند، وهو ارتفاع بنحو ثلاثة أضعاف ما كانت عليه عن عام 2001، ولكنها لا تزال سوقًا غير متطورة.
ومع ارتفاع الطلب على الدراجات النارية والشاحنات والحافلات، سيزداد كذلك عدد محطات الوقود، التي ارتفعت في الأصل 40 في المائة في السنوات الست الماضية إلى أكثر من 62500 محطة.
ومع توقع حدوث طفرة أخرى في شبكات بيع الوقود بالتجزئة، تصطف شركات النفط والغاز الأجنبية لمحاولة كسب شريحة من حصة القطاع الخاص المتنامية في صناعة الطاقة الهندية.
من المتوقع أن يدعم النمو السريع في الهند صناعة الطاقة العالمية في وقت يتراجع فيه نمو الطلب على النفط في أماكن أخرى. وحسبما تُظهِر البيانات الحكومية، فقد أنفقت شركات الطاقة الحكومية في السنوات الأربع الماضية أكثر من 30 مليار دولار في قطاع النفط والغاز، ابتداء من مضخات البنزين ومعامل التكرير إلى البنية التحتية للأنابيب وأجهزة الحفر.
وتقدر وكالة ديلويت أن هناك حاجة إلى 345 مليار دولار من الاستثمارات لتلبية الطلب المتوقع بحلول عام 2030، ما يتيح مجالا أكبر للاعبين الأجانب.
ومع تضخم الطبقة الوسطى، وقطاع الصناعات التحويلية المتوسع، وعدد سكانها البالغ نحو 1.3 مليار نسمة، فإن الهند تستعد لتجاوز الصين باعتبارها المحرك الرئيس لنمو الطلب على النفط، بحلول منتصف عشرينيات القرن الحالي.
يزداد الطلب على البنزين والديزل إلى جانب استهلاك أنواع وقود الطهي الحديث والكهرباء، وقد أطلق ناريندرا مودي رئيس الوزراء سياسات لتعزيز الوصول إلى الطاقة، لدعم مستويات عالية من النمو الاقتصادي.
على الرغم من أن الهند واحدة من أكبر مستهلكي الطاقة، إلا أنها على أساس حصة الفرد هي واحدة من أقل البلدان المستهلكة للطاقة - عند 0.62 طن فقط من المكافئ النفطي لكل شخص - وهو ثلث المعدل العالمي.
على أنه لتحقيق هذه الأهداف التنموية، هناك حاجة إلى مزيد من النفط من أجل النقل والمواد الكيميائية، وكذلك الغاز والفحم والطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء.
ويعني هذا الطلب أن شركات الطاقة الكبرى، مثل رويال داتش شل، وبريتيش بتروليوم، وأرامكو السعودية، التي ترغب في الحفاظ على أعمالها في مجال الوقود الأحفوري، في الوقت الذي تدخل فيه أسواقا جديدة للأنواع الأنظف من الوقود والكيماويات، تنظر إلى السوق الهندية سريعة النمو باعتبارها عاملاً حاسماً في الحفاظ على أعمالها.
قال خالد الفالح، رئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية، في رحلة قام بها أخيراً إلى الهند، إن الشركة تريد الاستثمار في محطات البنزين والبتروكيماويات، ولعب دور في مرافق تخزين النفط الاستراتيجية في البلاد. وقال إن الهند بمنزلة "قوة عظمى" ناشئة في مجال الطاقة.
مع ذلك، تعمل الهند أيضًا على مكافحة تلوث الهواء، وهي تتعاون في سياسات الانبعاثات الدولية، نظرًا لتعرضها للإجهاد المرتبط بالمناخ.
في حال ارتفعت درجات الحرارة بأكثر من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي، فستؤذي إمدادات المياه والغذاء، وتتسبب في فيضانات ساحلية. في بلد يشكل الوقود الأحفوري 90 في المائة من مزيج الطاقة فيه، يكون لخياراتها تأثير في البيئة وأسواق الطاقة العالمية.
لا تزال الطريقة التي يتطور بها قطاع الطاقة الهندي للتعامل مع هذه المطالب المتضاربة غير واضحة. يجب على الهند التوفيق بين ضمان إمدادات الطاقة الكافية للسكان مع الانتقال إلى وقود أنظف للنقل والطاقة، وبتكاليف معقولة في بلد يعيش فيه 70 مليون شخص في فقر مدقع.
تقول أمريتا سين، المحللة في شركة إنرجي إسبكتس Energy Aspects في لندن: "كانت الصين قصة النمو في العقد الأخير، والهند هي قصة النمو في العقد التالي. الهند تهتم بالبيئة، كما أنها تريد طاقة أنظف، لكنها تحتاج إلى كل شيء بما في ذلك الفحم والنفط والغاز".
يتم تزويد محطة وقود ناكفا بالبنزين والديزل من مصفاة تكرير تبعد نحو 20 كلم في فادنار، يمكنها معالجة 400 ألف برميل يومياً من النفط الخام من كبار البلدان المنتجة.
في العام الماضي، باعت شركة إيسار أويل الهندية المصنع الساحلي - أكثر الأصول أهمية في صفقة قيمتها 13 مليار دولار - إلى تكتل يضم شركة روسنفت للطاقة الروسية المملوكة للدولة، وشركة ترافيجورا السويسرية للمتاجرة في السلع، بعد عملية مناقصة أحاطت بها اعتراضات قوية.
وشملت عملية البيع محطة لتوليد الكهرباء، و3500 محطة وقود يتم تأجيرها في الغالب إلى أمثال ناكفا، وميناء فادينار الواقع في مركز تستورد الهند من خلاله معظم نفطها.
يقول بي أناند، الرئيس التنفيذي للشركة الجديدة نايارا للطاقة: "كان المحرك الرئيس للاستثمار هو ما نعتقد أن الهند تمثله. النمو الاقتصادي المدفوع بالبنية التحتية.
وخطة تنمية تشتمل على المطارات والطرق والسكك الحديدية والمدن. سيكون هناك نمو مستدام في المستقبل المنظور".
البراميل التي تعالجها شركة نايارا جزء من 4.5 مليون برميل يوميا تستهلكها الهند، فحسب. ومن المتوقع أن تزيد احتياجاتها من الطاقة إلى أكثر من الضعف لتتجاوز 10 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2035، ما يجعلها أكثر عرضة لتحركات السوق.
تراجُع الصادرات الإيرانية بأكثر من مليون برميل يوميا قبل جولة جديدة من العقوبات الأمريكية التي بدأ سريانها يوم الإثنين الماضي، يتسبب في إثارة القلق.
ليس لأن هناك عوامل لبس تحيط بمورد مهم للنفط الخام - اشترت الهند نحو ثلث صادرات إيران هذا العام - ولكن الزيادة الناتجة في الأسعار التي جعلت سعر البرميل يزيد على 80 دولارا هذا العام، دفعت إلى الأعلى بفاتورة الواردات. سجلت أسعار البنزين المحلية مستويات قياسية في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
حذر بعض تجار النفط من تسارع آخر في الأسعار، حتى إن مُنحت الهند إعفاءً أمريكيا لاستمرار شراء بعض النفط الإيراني. يقول أحد المتداولين في إحدى شركات الطاقة الهندية الكبرى: "يجب أن تمنح الولايات المتحدة الهند إعفاء لشراء النفط الإيراني، وإلا فلن يكون بالإمكان السيطرة على الأسعار الدولية أو المحلية"؛
حيث إن أسعار البنزين في المحطات هي الآن أعلى مما كانت عليه حين بلغ النفط ذروته عند 147 دولاراً للبرميل، بعد أن خفضت الهند الدعم أواخر عام 2014، تضغط الأحزاب المعارضة على مودي قبل الانتخابات الوطنية في العام المقبل. وفي الشهر الماضي تم تخفيض الضريبة على البنزين.
ضغوط الأسعار المحلية تؤكد الحاجة إلى تقليل الاعتماد على واردات النفط الأجنبية، التي تريد الحكومة خفضها 10 في المائة بحلول عام 2022.
على أن الواردات تمثل أكثر من 80 في المائة من احتياجات الهند من النفط، وقد يرتفع هذا إلى مستوى أعلى بحلول عام 2030، وفقاً لدراسة أجرتها شركة رويال داتش شل جنباً إلى جنب مع مراكز الأبحاث الهندية في مجلس الطاقة والبيئة والمياه ومعهد الطاقة والموارد.
لمواجهة أي نقص في الإمدادات تسعى الهند إلى تنويع الواردات، والتحول إلى موردين جدد مثل الولايات المتحدة. وهي تحاول كذلك استخدام إمدادات النفط الحالية بكفاءة أكبر، في الوقت الذي تزيد فيه الإنتاج المحلي، وتتحول إلى بدائل مثل الغاز الطبيعي المضغوط لاستخدام الشاحنات وعربات الشوارع.
إلى جانب الحد من استخدام النفط في النقل، تحاول الهند تنظيف قطاع الكهرباء لديها، وحددت هدفًا هو تحقيق 40 في المائة من توليد الكهرباء من الطاقة النظيفة، بحلول عام 2030. على أنه لا يزال من المتوقع أن يتم الوفاء بمعظم الاحتياجات من الوقود الأحفوري.
يقول دارمندرا برادهان، وزير البترول والغاز الطبيعي الهندي: "يجب أن تنمو الموارد المتجددة والهيدروكربونات يدا بيد لتلبية الطلب المتزايد بسرعة على الطاقة".
تريد الحكومة الاستثمار والخبرة الأجنبية لتعزيز الاستكشاف والإنتاج المحلي. ويقول برادهان: "الهند تقدم سوقاً ضخمة للطاقة غير مستغلة للعالم. لدينا مجتمع شاب وطموح يحتاج إلى الحصول على الطاقة بشكل موثوق وبأسعار معقولة ومستدامة".
الشركات الدولية غالبا ما تتردد في الاستثمار في التنقيب عن النفط. وقد قامت شركة النفط والغاز الطبيعي المملوكة للدولة، التي تنتج معظم الإنتاج المحلي بحفر أكثر من 500 بئر العام الماضي، وهو أعلى مستوى منذ 30 عاما. ومع ذلك، كانت الاكتشافات قليلة وتم وقف الإنتاج.
مع بقاء الهند عرضة لصدمات الطاقة، أطلقت كميات ضخمة من السيارات الكهربائية للحد من استهلاك النفط، فضلاً عن الحد من تلوث الهواء في المدن الكبرى.
ويقول نشطاء البيئة، بمن فيهم منظمة السلام الأخضر، إنها أصبحت قضية في الصحة العامة، حيث يموت 1.2 مليون هندي بسبب سوء نوعية الهواء كل عام.
بعد أن كانت الهند تهدف في البداية إلى جعل جميع سيارات الركاب التي سيتم بيعها بحلول عام 2030 كهربائية، خفضت هذه النسبة إلى 30 في المائة في آذار (مارس) الماضي. وبصرف النظر عن تكاليف البطاريات واستعداد الشركات المصنعة، جاءت الخطة المعدلة في خضم الجدل حول البنية التحتية والقدرة الكهربائية لدعم عملية الإطلاق الشامل.
وهناك أيضاً سؤال حول مدى الفرق الذي ستحدثه السيارات الكهربائية في مستويات التلوث، نظراً لأن توليد الكهرباء بحرق الفحم سيظل مهيمناً على نظام الكهرباء في البلاد.
الكهرباء المتولدة من حرق الفحم تزود البلاد بنحو 75 في المائة من إمدادات الكهرباء في الهند، بينما تسهم بنحو 35 في المائة من انبعاثات الكربون.
تقول لورا كوزي، رئيسة قسم توقعات الطلب في وكالة الطاقة الدولية: "لا يزال التوسع في الكهرباء يعتمد بشكل كبير على الفحم. الطاقة الشمسية رخيصة مثل الفحم في مناطق معينة، لكن التحدي يكمن في مواكبة الطلب والقيام بذلك بأسعار رخيصة.
التحول إلى السيارات الكهربائية أمر لا طائل من ورائه إذا كنت بحاجة إلى الاعتماد على الكهرباء من خلال حرق الفحم".
وفي إشارة إلى حساسية أسعار شركات الطاقة الكبرى، تعمل مصفاة نايارا فادنار بالكامل بواسطة الفحم المستورد.
تستهدف الحكومة نشر 175 جيجاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2022، بما في ذلك طاقتا الشمس والرياح في الشبكة الوطنية، كجزء من برنامجها للطاقة النظيفة.
تكلفة التكنولوجيات المتجددة، مثل الطاقة الشمسية الكهروضوئية، تنخفض بحدة، لكن على الرغم من الاستثمارات الضخمة، إلا أن حصة الموارد المتجددة في توليد الكهرباء في الهند من المتوقع أن ترتفع بالكاد إلى الربع بحلول عام 2040، وذلك وفقاً لشركة بريتيش بتروليوم.
خطة لتوصيل الكهرباء لكل قرية تأجلت حتى نهاية هذا العام، لكن سيبقى ملايين الأشخاص في الظلام. لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء لسكان الهند الذين سيصل عددهم إلى 1.6 مليار نسمة بحلول عام 2040، تشير حسابات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الهند في حاجة إلى إضافة ما يُعادل نظام الكهرباء في الاتحاد الأوروبي إلى بنيتها التحتية.
في حين أن الفحم لا يزال حاسماً، إلا أن الحكومة تريد جذب جزء أكبر من مزيج الطاقة من الغاز الذي يُمكن معالجته لتزويد الحرارة للعمليات الصناعية. نتيجة لذلك، فإن مجموعات الطاقة الدولية ترى أن استكشاف وإنتاج الغاز، وليس النفط، ينطوي على أكبر الإمكانات.
يقول نيتين براساد، رئيس شركة شل في الهند: "ستحتاج الهند إلى توفير كل حلول الطاقة، من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة الجديدة. البلد كبير فوق الحد على نحو لا يمكن معه القول إنه سيكون هناك حل واحد فحسب".
وقّعت شركة شل صفقة في آب (أغسطس) الماضي لشراء حصة 26 في المائة في مشروع هازيرا للغاز الطبيعي المُسال في ولاية جوجارات من شركة الطاقة الفرنسية الرئيسة توتال، في الوقت الذي تسعى فيه إلى السيطرة على الطلب المتزايد في الهند على الوقود فائق التبريد.
في الوقت نفسه، فإن شركة بريتيش بتروليوم وشريكتها الهندية، شركة ريلاينس للصناعات، تعهدتا بإنفاق نحو ستة مليارات دولار لتطوير مشاريع جديدة في حوض كريشنا - جودافاري، لإنتاج ما يصل إلى 35 مليون متر مكعب يومياً من الغاز بحلول عام 2022؛ أي نحو 10 في المائة من الطلب المتوقع في البلاد. ساشي موكوندان، رئيس شركة بريتيش بتروليوم في الهند، يقول إن الشركة تتطلع إلى بيع الغاز في قطاعات تراوح بين تصنيع الصلب والسيراميك إلى المواد البتروكيماوية وتوليد الكهرباء، ما يساعد الحكومة على تجنب 20 مليار دولار من الواردات.
يقول موكوندان: "تحاول الهند تقليص الواردات. "مع الجمع" بين الموارد المتجددة والغاز لتوليد الكهرباء، هو مجال يمكن أن ننظر فيه في الهند".
بالعودة إلى محطة البنزين التي يملكها ناكفا، جاء كالراف ناكوم، وهو طالب جامعي في الثامنة عشرة من عمره، على ظهر الدراجة النارية لصديقه، وهو يطمح إلى شيء كبير بالقدر نفسه، وهو امتلاك دراجة على عجلتين، ربما موديل هارلي دافيدسون التي شاهدها على الإنترنت.
ورغم انتقال الهند نحو مصادر الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية، إلا أنه يرغب بشدة في امتلاك سيارة رياضية من النوع الذي يستهلك كثيرا من البنزين.
يقول ناكوم، معلناً أهدافه الطموحة التي هي صدى لأهداف بلده: "في مرحلة لاحقة من حياتي، أريد امتلاك سيارة فيراري. المشكلة الوحيدة هي أن الطرق في جامناجار لا تستطيع التعامل مع هذا النوع من السيارات حتى الآن. ربما ستفعل ذلك يوما ما".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES