المشراق

«العقال المقصب» .. أقسم الملك عبدالعزيز ألا يلبسه حتى يثأر

يقول العصامي في كتابه "سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي": "وفي سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة أحدثت العلامة الشطفة الخضراء على عمائم الشرفاء ليتميزوا بها، وكان ذلك بأمر هذا السلطان شعبان بن حسن بن الناصر محمد ابن قلاوون المذكور، فقال في ذلك العلامة أبو عبد الله بن جابر الضرير النحوي صاحب شرح الألفية المشهور بالأعمى والبصير رحمه الله تعالى:
جعلوا لأبناء النبي علامة
إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في كريم وجوههم
يغني الشريف عن الطراز الأخضر
ويذكر المقريزي في "السلوك لمعرفة دول الملوك" أن القان شاه رخ أرسل ثلاث خلع وشطفة إلى مراد بك بن عثمان ملك الروم، فخرج الوزراء إلى لقاء القادم بها، وأخروا إظهار الشطفة، ودخلوا بالرسل في مجلس خاص، فلبس مراد الخلع، ودار بين الرسل وبينه حديث في مصاهرة القان، بأن تكون بنات كل منهما لأولاد الآخر.
وقال بدر الدين العيني في "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان": "وركب السلطان، وقد لبس قرقلا خفيفا، وبيده شطفة، وناهيك من ملبوس ملك في مثل ذلك اليوم، وتواترت الأمراء بعده بالدخول أولا فأولا، وكل أمير يدخل وقد لبس أفخر لباس الحرب، وبيده شطفة برنكة".
النصوص السابقة تتحدث عن الشطفة ومن الواضح أن المقصود شيء آخر غير تلك الشبيهة بالعقال المقصب، وهذا ما انتبه له العلامة رينهارت دوزي، إذ يذكر في كتابه "تكملة المعاجم العربية" أن الشطفة هي "الراية عند سلاطين المماليك وهي القطعة من القماش التي يصنع منها الجزء الأساس من الراية. وكانت هذه ترفرف على رأس السلطان وتعد جزءا من علامات السلطنة؛ وتسمى أيضا: عصابة". هذا تعريف الشطفة بفتح الشين، أما الشطفة بكسر الشين فيذكر دوزي نقلا عن الرحالة السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت (1199هـ\ 1784م- 1233هـ/ 1817م) أنها "خمار الكتفين الذي يضعه البدو على رؤوسهم أحيانا". والتعريف الأخير هو الذي له علاقة بالعقال، فهل وهم بوركهارت وظنها شبيهة بالشماغ، أم كانت تطلق فعلا على خمار الكتفين أو الشماغ والغترة. الذي أرجحه أن بوركهارت واهم، ويبدو لي أنه رأى شخصا يلبس الغترة وفوقها الشطفة فسأل عن المسمى وفي باله الغترة، وأجابه الآخر وفي باله العقال، ومن المعروف أن بوركهارت زار مناطق في الجزيرة العربية والشام ومصر. ومن المعروف أن بوركهارت زار الحجاز عام 1229هـ/ 1814م، وهذا يعني أن الشطفة معروفة منذ ذلك الوقت. على أن أغلب الصور والرسومات التي تظهر فيها الشطفة والمقصب تعود إلى ما بعد عام 1250هـ. وهذا النوع من العقال يلبس في أغلب مناطق جزيرة العرب، وعدة دول عربية مثل سورية، ولبنان، وفلسطين، والأردن، والعراق، كما لبسه البعض في دول عربية أخرى مثل مصر. وقد زادت شهرة العقال المقصب في العالم بعد أن لبسه الملك عبد العزيز، ثم ابناه الملك سعود، والملك فيصل، وصار كثير من الناس في العالم العربي يسمونه "عقال فيصل"، على أن الملك فيصل بن الحسين لبسه قبل ذلك، لكن لم تشتهر هذه التسمية إلا في عهد الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز. وقد عرفت الشطفة في الشام والعراق قبل أن تعرف في جزيرة العرب.


الفرق بين الشطفة والمقصب
يظن كثير من الناس وبعض المؤلفين أن الشطفة والعقال المقصب شيء واحد، ولكن هناك من يفرق بينهما، ويذكر حمد السعيدان في الموسوعة الكويتية المختصرة أن الشطفة "عقال من الحرير محزز بالزري كان الكويتيون في الماضي يلبسونه فوق الغترة.. فيلاحظ أن الشطفة تختلف تماما عن العقال الزري المقصب". والذي ظهر أولا كما تدل عليه الصور القديمة هو الشطفة، ثم طور شكلها لتصبح العقال المقصب، الذي يغلب عليه الزري أو الخيوط الذهبية أو الفضية، بينما الشطفة يغلب عليها الخيوط السوداء ويقل فيها الزري. وحتى نعرف الفرق بينهما بوضوح فلننظر إلى صورة الإمام عبد الرحمن الفيصل، وإلى صورة ابنه الملك عبد العزيز، فالإمام يلبس الشطفة، بينما يلبس الملك العقال المقصب. ويجعل بعض الباحثين الشطفة هي العقال المقصب ولا يفرقون بينهما، ومنهم الأستاذ محمد العبدلي الذي يقول في تعريف الشطفة: "يعتقد أن الشطفة أتت من سورية، حيث استوردها سكان الخليج العربي، وكانوا يجلبون عمائم مطرزة بالوشي (الخوار) تسمى العقال المقصب، وتصنع الشطفة من خيوط الصوف، إلا أن محيطها تعقد عليه ثماني عقد، أو اثنتا عشرة عقدة، وربما أكثر إذا كانت العقد صغيرة الحجم، وعندما تطبق الشطفة، وتدار حول الرأس، يراعي أن تتزاوج العقد، بحيث تقترن كل اثنتين معـا، وتلبس الشطفة بأن توضع فوق الغتـرة، مثلها مثل أنواع العقل الأخرى، وغالبا ما تكون الشطفة بغير زوائد وإن كـان بعضها ذا زوائد قصيرة كبيرة الحجم، ولـون الشطفة الشائع هو اللون الأسود: غير أن العقد كانت تغطى عادة بالزري أو خيط الذهب، وربما غطيت المسافات بين العقد بالزرى أو الذهب، وقد وجدت بعض الشطف ذوات اللون الأبيض الخالص". وجاء في موسوعة الثقافة التقليدية في المملكة العربية السعودية" عن العقال المقصب: "وهناك نمط آخر من العقال هو الشطفة، وهو عقال له أربعة أركان يحيط بالرأس، وتوشيه خيوط من الذهب ما عدا في أركانه الأربعة إذ يغلب الصوف الأسود. وكان يلبسه بعض أفراد الأسرة المالكة، فقد لبسه الملك عبد العزيز، ثم الملك سعود، ثم الملك فيصل يرحمهم الله. ويعد الملك فيصل آخر من لبسه منهم، ويبدو أن هذا النوع من العقال قد انقرض أو هو في سبيله إلى الانقراض". وقد صدرت الموسوعة السابقة عام 1419هـ، وتوقع الكاتب أن ينقرض العقال المقصب، لكن السنوات التي تلت صدورها أثبتت العكس، فقد عاد الناس إلى لبس هذا العقال ولا سيما في أيام الأعياد والمناسبات، وهذا وعي منهم بأهمية الحفاظ على الموروثات. وفي موضع آخر جاء في الموسوعة حديث مطول جعلوا فيه الشطفة والعقال المقصب شيئا واحدا، اقتبس منه هذه الفقرات: "العقال المقصب (الشطفة): وهو أحد أنواع العقل، ويتخذ شكلا هندسيا خماسي الأضلاع، ويتكون هذا العقال من طبقتين، أي أن مجموع أضلاعه عشرة، إضافة إلى وجود جزء صغير لين قابل للانثناء في منطقة الخلف، حتى يسمح بثنيه إلى طبقتين... ولا يلبس العقال المقصب عامة الناس، فهو في الغالب من ملابس الطبقات العالية من الملوك والأمراء والشيوخ، سواء في المملكة أم في بعض البلاد العربية الأخرى مثل الكويت والعراق والبحرين، وهو يضفي على من يلبسه هيبة ووقارا، كما يضفي عليه مظهر الهيبة والأبهة والفخامة... وقد اشتهر العقال المقصب الشطفة المزراة باسم عقال فيصل. ومن أنواع العقال المقصب نوع يظهر فيه خيط حشوة الضلع بشكل منقوش بلونه البني المائل للسواد، من بين لفات خيوط القصب. ويلبس هذا النوع غالبا الوافدون من العراق والكويت. وهناك نوع من الشطفة لا تستخدم في تزيينه خيوط القصب (الزري) ويكتفى بتغطية أضلاعه بخيوط الصوف الأبيض".

الإمام عبد الرحمن والمؤسس والعقال المقصب
التقطت الصورة الشهيرة للإمام عبدالرحمن الفيصل (ت 1346هـ) عام 1902م (1319- 1320هـ)، وكان لابسا الشطفة، أو العقال المقصب كما يرى من لا يفرق بينهما. ويذكر الأمير فهد الفيصل أن الإمام عبدالرحمن الفيصل هو أول من لبس العقال المقصب من آل سعود، ولم يكن معروفا قبلها، ويفسر ذلك بأن الإمام عبد الرحمن تأثر ببعض حكام الخليج الذين كانوا يلبسونه، أثناء حياته هناك بعد رحيله عن الرياض ونجد، ثم يضيف أن الإمام طلب من ابنه الملك عبد العزيز أن يلبس العقال المقصب، وألح عليه في ذلك، فلبسه الملك ومن بعده أولاده الملك سعود والملك فيصل، ولم يلبسه الملك خالد حين أصبح ملكا. وإضافة إلى كلامه أقول إن الإمام عبد الرحمن الفيصل سافر إلى العراق لمهمة دبلوماسية وظل فيها حتى استطاع مغادرتها في رمضان من عام 1291هـ، وربما إنه تأثر ببعض العراقيين في لبس الشطفة. أما سليمان فيضي فيذكر أنه اجتمع مع الملك عبد العزيز مرارا عام 1333هـ/ 1914م، ومعهما آخرون، ودارت أحاديث عديدة من ضمنها حديث عن العقال المقصب، يقول سليمان فيضي ناقلا عن لسان الملك عبد العزيز: "وقد روى لنا يوما قصة العقال المقصب، فقال إن آل سعود يرتدون العقال المقصب من قديم الزمان، إلا أنه – أي عبد العزيز- أقسم أن لا يلبسه حتى يثأر من خصمه، وبقي يرتدي العقال الأسود حتى اليوم الذي حملوا إليه ختم خصمه بعد مقتله، حينئذ نادى ائتوني بعقال مقصب، فلما أحضروه وضعه على رأسه بين الهتاف والأهازيج". ولا أدري ما مدى دقة نقل سليمان فيضي عن الملك، إلا أن المؤكد أن أسرة آل سعود لم يرتدوه من قديم الزمان، فالرسم المعروف للإمام عبد الله بن سعود، ووصف لباس أئمة آل سعود لا يدل على ذلك، ولا نعرف أحدا منهم لبس الشطفة أو العقال المقصب قبل الإمام عبد الرحمن. وقد وصف لويس بيلي لباس الإمام فيصل بن تركي فذكر أنه يلبس الكوفية وفوقها عصابة، أو عمامة.
ويذكر الباحث الإماراتي ناصر بن حسين العبودي في كتابه "الأزياء الشعبية الرجالية في دولة الإمارات وسلطنة عمان" أن أقدم استخدام معروف للبس الشطفة أو ما يعرف باسم العقال المقصب يرجع لعهد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان (1855 – 1909م) من خلال دراسة مجموعة من الرسومات اليدوية القديمة، ولعله يقصد في الإمارات وعمان وليس في المناطق الأخرى.


أبناء المؤسس
يتضح من صور أبناء الملك عبد العزيز التي التقطت لهم في عهد المؤسس أن كثيرا منهم لبسوا العقال المقصب مثل: سعود، فيصل، محمد، منصور، خالد، ناصر، سعد، فهد، وغيرهم، ولكن يختفي العقال المقصب في وقت لاحق، وإذا نظرنا في صورهم التي التقطت منذ بداية عهد الملك سعود، وربما أواخر عهد الملك عبد العزيز، لا نرى العقال المقصب على أي من أبناء المؤسس سوى الملك سعود والملك فيصل. وكنت سمعت من بعض المهتمين أن السبب في ذلك هو صدور أمر من الملك عبد العزيز بألا يلبس العقال المقصب من أولاده إلا من قاد المعارك، ولا أدري ما صحة هذا الكلام، لكني رأيت في كتاب عبد الكريم أبا الخيل "العربية السعودية، تأسيس، رمال ودماء"، الذي صدر عام 1372هـ/ 1953م، قبل وفاة المؤسس الملك عبد العزيز بشهور قليلة أنه صدر أمر ملكي سام بحصر لبس "العقال الذهبي" على الملك عبد العزيز وولي عهده الأمير سعود، ولمن يأمر الملك عبد العزيز بالسماح له بلبسه. والمقصود بالعقال الذهبي هو العقال المقصب.
يتضح من الصور القديمة أن الذين يلبسون العقال المقصب هم من الأمراء أو التجار أو الوجهاء، ويندر أن يلبسه أحد من عامة الناس. وقد لبسه بعض حكام السعودية، والكويت، والبحرين، وأبوظبي، والعراق، والأردن. ويروى أن أحد إخوة الملك عبد العزيز الصغار كان يلبس العقال الأسود المعروف، فخرج في حدود عام 1356هـ إلى السوق، وكان حينها فتى لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، فحدث بينه وبين آخرين مشادة كلامية تطورت إلى صراع بالأيدي، وكان الطرف الآخر هو المعتدي، وحين علم الملك عبد العزيز بما حدث عاتب أخاه، وقال له تستحق ما أصابك، فلو لبست العقال المقصب لما حدث لك ذلك. ويروي المؤرخ والأديب فهد المارك قصة قدوم الشيخ ضاري بن طوالة وهو لابس العقال المقصب على الملك عبد العزيز عام 1336هـ فيقول: "ومن خلال المظاهر التي أحاط بها ضاري نفسه، وهي حسب التقاليد المرعية لا يحق له أن يظهر بها، إذ إن التقاليد المتبعة والعادات المرعية تقضي بأن العقال المقصب لا يجوز أن يلبسه رئيس العشيرة، بل ولا حتى رئيس القبيلة. هذا ما ذكره الأديب فهد المارك، ولكن قبل هذا التاريخ بسنوات طويلة نعثر على صور ورسومات تعود إلى ما قبل عام 1300هـ، وما بعدها لشيوخ وتجار ووجهاء وهم يلبسون الشطفة والعقال المقصب، وقد لبسه عدد من تجار العقيلات النجديين مثل محمد العبد الله البسام، ومحمد باشا العصيمي، وعبد الله الحليسي وغيرهم.


مشاهير لبسوا العقال المقصب
لبس العقال المقصب عدد من المشاهير ومنهم الملك فاروق حين زار السعودية عام 1364هـ/ 1945م وحضر قمة رضوى مع الملك عبد العزيز، كما لبسه المخترع حسن كامل الصباح الملقب أديسون الشرق، وأمير البيان شكيب أرسلان، وشيخ العروبة أحمد زكي باشا، والرحالة الليدي آن بلنت، والرحالة والمستشرق الألماني يوليوس أويتنج، والرحالة والمستكشف الفرنسي شارل هوبر، ولورنس العرب، والمستشرق عبد الله فيلبي، والرحالة البريطاني المغامر وليام وليمسون، الذي عرف بعد إسلامه بالحاج عبد الله فاضل المسلماني، ولبسه عدد من مستشاري الملك عبد العزيز مثل المصري حافظ وهبة، والسوري فؤاد حمزة، وغيرهم.


لبس العقال المقصب كثير من المشاهير، لكن أغرب من لبسه هي الفنانة أم كلثوم التي لبسته في صغرها، ويقال في سبب ذلك أن والدها لم يرد أن يعرف الناس الذين يحضرون حفلات الإنشاد أنها بنت، فألبسها ملابس الأولاد، ووضع على رأسها العقال المقصب. وقد استمرت سنوات تلبسه لكنها خلعته بعد ذلك. ووصف الكاتب العراقي إبراهيم صالح شكر (ت 1944م) أم كلثوم فقال: "قصيرة القامة، صغيرة الوجه، سمراء، ليست بالمليحة الفاتنة ولا بالقبيحة الممقوتة، وإنما هي عدال بين ذلك، ولكنها إذا غنت تركت الناس سكارى عما في صوتها من نبرات ساحرة تذهب بوقار السامع وتصنع الحكمة، تظهر على المسرح في الأسبوع مرة واحدة، بلباس أسود يستر عنقها وذراعيها وفوقه رداء أسود أيضا شبيه برداء الراهبات الأسود الذي يلبسنه فوق الجلباب، وهكذا تجد من أم كلثوم وجهها الصغير المدور فحسب، وتلبس في رأسها الكوفية البيضاء والعقال المقصب". وقد سافرت أم كلثوم إلى العراق أول مرة عام 1932م، وأقامت حفلات غنائية.
أما الشاعر محمد سليمان الأحمد المعروف بلقب "بدوي الجبل"، فقد لقبه بذلك صاحب جريدة "ألف باء" يوسف العيسى دون علمه، فتساءل الأحمد عن الأمر فقال له العيسى: "إن الناس يقرؤون للشعراء المعروفين، ولست منهم، وهذا التوقيع المستعار يحملهم على أن يقرؤوا الشعر للشعر، وأن يتساءلوا من ذا يكون هذا الشاعر المجيد؟ وأنت في ديباجتك بداوة، وأنت تلبس العباءة، وتعتمر العقال المقصب، وأنت ابن جبل، إذا فأنت بدوي الجبل". وقد كان هذا الشاعر يلبس العقال المقصب في شبابه.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق