إطلاق مؤشر جديد لرأس المال البشري

|
بدءا يقصد برأس المال البشري مجموعة المعارف والمواهب والمهارات والخبرات التي يمتلكها الإنسان كفرد أو السكان كمجموعة، وتنعكس في قدرتهم على أداء العمل لإنتاج سلع وخدمات ذات قيمة اقتصادية. ويعد الاستثمار الفاعل في رأس المال البشري عاملا مركزيا للتنمية، تنتج عنه فوائد اقتصادية كبيرة على المدى الطويل. وقد أطلق البنك الدولي في عام 2017 مشروع رأس المال البشري لرفع الوعي حول أهمية رأس المال البشري وزيادة التدخل لبنائه في الدول المستفيدة من البنك. ومن خلال هذا المشروع تمخض مؤشر رأس المال البشري Human Capital Index الذي أعلن عنه في تشرين الأول (أكتوبر) 2018. ومؤشر رأس المال البشري مؤشر دولي يقيس رأس المال البشري الذي يحصل عليه طفل يولد اليوم عند بلوغه سن 18 سنة، وينعكس على الإنتاجية مع افتراض ما يتعرض له من مخاطر الصحة السيئة والتعليم الرديء التي تسود في بلاده. وقد صمم المؤشر لتسليط الأضواء على دور الاستثمار في تحسين الصحة والتعليم في رفع إنتاجية أجيال العاملين في المستقبل. بعبارة أخرى، يقيس المؤشر النتائج الحالية لسياسات التعليم والصحة على مخرجات المستقبل. باستخدام مؤشر رأس المال البشري تستطيع الدول قياس إسهام تحسن الصحة، والتعليم ــ كميا ــ في الإنتاجية ومستويات الدخل للجيل القادم، ومن ثم تقييم الدخل المفقود بسبب فجوات رأس المال البشري، وكيف يمكن تحويل الخسائر إلى أرباح إذا ما تم التصرف بسرعة ووضع سياسات تسهم في تحسين الصحة والتعليم. ويقاس المؤشر بوحدات الإنتاجية منسوبا إلى نقاط مرجعية ترتبط بتحقيق التعليم الكامل والصحة التامة، ويأخذ المؤشر قيما تراوح بين صفر وواحد. وتفسر قيمة المؤشر بنسبة إنتاجية طفل يولد اليوم من إنتاجية عامل في المستقبل يتمتع بأعلى مستويات الصحة والتعليم. ويتكون المؤشر من ثلاثة عناصر، العنصر الأول هو "البقاء" ويقاس باستخدام وفيات الأطفال دون الخامسة، أي معدل البقاء إلى سن الخامسة. والعنصر الثاني هو سنوات الدراسة المعدلة، ويدمج هذا العنصر بين كمية التعليم وجودته. فكمية التعليم تقاس بسنوات الدراسة التي يحصل عليها الطفل عند بلوغه سن 18 سنة، ويحسب كمجموع معدلات الالتحاق العمرية لمختلف السنوات الدراسية. أما جودة التعليم فتستفيد من درجات الاختبارات التحصيلية الدولية، التي تدمج في مقياس للتعليم المتوقع معدلا حسب سنوات الدراسة باستخدام أسلوب تم تطويره في تقرير تنمية العالم 2018. ويتمثل العنصر الثالث في الصحة، فعلى الرغم من عدم وجود اتفاق على قياس صحة السكان، فقد استخدم البنك الدولي مؤشرين، هما: نسبة البقاء للبالغين أي نسبة السكان في عمر 15 سنة الباقين على قيد الحياة إلى العمر 60 سنة، كذلك استخدم ضعف أو قصور النمو للأطفال أقل من 5 سنوات Stunting for Children. وبناء على المؤشر، يفسر كل عنصر من حيث إسهامه في إنتاجية الفرد، مقارنة بقيمة مرجعية تمثل تعليما مكتملا وصحة كاملة. لذلك، فإن الإنتاجية المتوقعة تتقلص بنسبة تساوي نسبة معدل البقاء إلى القيمة المرجعية عندما يعيش جميع الأطفال. وبالنسبة إلى التعليم، فإن إنتاجية طفل يحصل على تسع سنوات دراسية فقط عند بلوغه سن 18 سنة مقارنة بقيمة مرجعية تمثل 14 سنة كاملة، فإن إنتاجية ذلك الطفل تنخفض بمقدار 40 في المائة فقط من قيمة الإنتاجية المتوقعة. وقد تصدرت الدول الآسيوية "سنغافورة، واليابان، وكوريا الجنوبية، وهونج كونج" قائمة الدول في قيم هذا المؤشر. في الختام، يبرز التساؤل المهم: ما مدى فاعلية هذا المؤشر؟ وهل هو مجرد مؤشر آخر لتصنيف الدول إلى جانب مؤشر التنمية البشرية HDI؟ أم أنه يظهر جوانب تنموية لا تتعامل معها المؤشرات الأخرى؟ لعل الإجابة عن ذلك تأتي في مقال آخر.
إنشرها