السلعة التي ينعكس سعرها سلبا على منتجيها

|
ما كان لسلعة من مكانة مثل النفط منذ أن سعى الإنسان إلى تطويع المصادر الطبيعية، وما كان لسلعة من ضرر على منتجيها مثل النفط أيضا. قد يرى كثير من القراء الكرام أن هناك مبالغة أو تضخيما أو حتى غلوا في الفرضية أعلاه. ولكن لندخل في صلب الموضوع ونناقش كيف أن هذه السلعة الاستراتيجية التي تلقب أحيانا بـ "الذهب الأسود" بدأت تفقد بريقها بالنسبة لكثير من منتجيها وعلى الخصوص الدول المنضوية تحت منظمة "أوبك". إن هبطت الأسعار، لرأينا على الفور ظهور خلل في ميزانيات هذه الدول، وإن ارتفع السعر، لرأينا ظهور بوادر انكماش في اقتصاديات الدول الصناعية المستهلكة – الحالة الاقتصادية التي تستثمرها هذه الدول لمصلحتها. بينما يصبح صعود الأسعار عاملا ومحفزا للاستقلال الاقتصادي بالنسبة للدول الصناعية المستهلكة للنفط، تخفق الدول المنتجة في الغالب من تدوير الريع وضخه في الاقتصاد المحلي لتنويع مصادر الدخل. المحصلة النهائية واضحة المعالم إن ألقينا نظرة متفحصة على اقتصاد الدول الصناعية المستهلكة للنفط والدول المنتجة له، حيث مع مرور الزمن صرنا أمام معادلة اقتصادية ذات ركنين: الركن الأول يقول إن الدول المستهلكة تعلمت واستفادت من درس ارتفاع أسعار النفط ولها خطط محكمة لمواجهة صعودها الفجائي أو حتى تقليص توريد هذه السلعة. الركن الثاني أساسه أن الدول المنتجة بصورة عامة لم تتعلم الدرس بعد لأنها لم تخطط بصورة علمية ومستديمة للاستفادة القصوى من صعود الأسعار والتأقلم مع هبوطها. لنأخذ الفترة منذ السبعينيات من القرن الماضي إلى يومنا هذا. في مستهل عقد السبعينيات شهدت أسعار النفط طفرة غير مسبوقة لأول مرة في تاريخ هذه السلعة. والسبب كان سياسيا محضا وجاء نتيجة الحظر النفطي الذي فرضته الدول العربية المنتجة للنفط في حينه على الدول الغربية لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. كان قرار الحظر بمنزلة صدمة كبيرة للدول الغربية الصناعية التي كانت ولا تزال إلى حد ما تشكل عصب استهلاك هذ المادة. هذا الحظر أدخل هذه الدول في أزمة شديدة جعلتها تفكر مليا في كيفية مقاومة أي أزمة مشابهة في المستقبل جراء قطع الواردات أو طفرات فجائية غير متوقعة للأسعار. أما الدول المنتجة للنفط فإنها لم تخطط لمواجهة هبوط حاد في الأسعار وكذلك لم تفكر مليا في تنويع مصادر الدخل وإنشاء بنية تحتية تغطي الحلقات الاقتصادية من نقل ومواصلات وتربية وتعليم وصناعة وزراعة وخدمات وغيره عند زيادة مدخولاتها نتيجة لارتفاع الأسعار. وبعد مرور نحو 45 سنة على الطفرة الأولى الكبيرة وغير المسبوقة في الأسعار، ما زلنا نسمع أن هذه الدول تحاول أو تسعى لتنويع مصادر دخلها وتقليل الاعتماد على الريعية. في العقود الأربعة والنصف المنصرمة، جرت تحولات جذرية في التركيبة الاقتصادية للدول الصناعية المستهلكة للنفط. وفي هذه الفترة أيضا انتقلت كثير من الدول مثل الصين وبعض دول جنوب شرق آسيا وبعض الدول في أمريكا اللاتينية من خانة العالم الثالث إلى قاب قوسين أو أدنى من الدول الصناعية. وفي الفترة منذ الصدمة النفطية الأولى، لم يعد النفط السلعة التي في إمكان أي دولة منتجة استخدامها وحدها لإحداث صدمة اقتصادية كالتي وقعت في مستهل السبعينيات من القرن الماضي. ولقد برز في هذه الفترة منتجون آخرون ينافسون الدول التقليدية المصدرة للنفط في إطار منظمة "أوبك". لدينا اليوم روسيا مثلا والولايات المتحدة اللتان يفوق إنتاجهما أي دولة في "أوبك" وفي طريقهما إلى تصدر قائمة المصدرين أيضا. وأخذت الدول الصناعية وغيرها تلجأ إلى عمليات استخراج النفط من منابع هيدروكربونية غير تقليدية مثل الرمل والصخر. وهذه المنابع أخذت تشكل هاجسا للدول النفطية من أعضاء "أوبك". فكلما زاد سعر النفط، زادت أهمية ومنافسة الإنتاج الصخري، وكلما هبطت أسعار النفط، زادت صعوبة الإنتاج الصخري وأخذ دوره كمنافس للمنتجين التقليديين في التضاؤل. ولأن الدول المنتجة لم تفلح حتى الآن في تنويع مصادر دخلها وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، فإن أي هبوط حاد في الأسعار يؤثر سلبا في ميزانية مدفوعاتها. وكلنا يتذكر كيف عانت الدول النفطية عندما هوت الأسعار إلى نحو 30 دولارا للبرميل في الفترة من عام 2014 إلى عام 2016. وإن نظرنا بتمعن إلى الفترة منذ الصدمة الأولى لرأينا أيضا أن الدول الصناعية الغربية صارت أقل استهلاكا "إسرافا" لهذه السلعة. لقد وضعت هذه الدول خططا وأسسا محكمة تبدأ من سياسة ضريبية قاسية وصولا إلى تغيير جذري في التركيبة الاقتصادية والتحول إلى اقتصاد الخدمات وإنتاج الماكينات التي تزداد كفاءة في استهلاك الوقود. ولدى هذه الدول خطط ليس في الحد من استهلاك النفط بل الاستغناء عنه في كثير من الحلقات الاقتصادية. الدول الإسكندنافية لها خطط للتحول من الوقود الهيدروكربوني إلى الاعتماد على الكهرباء التي تنتجها مصادر بديلة للطاقة الهيدروكربونية في غضون ثلاثة عقود. في الوقت الذي أخذ فيه الغرب يقلل من اعتماده على النفط كمصدر رئيسي للوقود، نرى أن الدول المنتجة لا تزال تحت رحمة ريع النفط ولا تتحمل اقتصاداتها أسعارا متدنية. وفي الوقت الذي وضع فيه الغرب خططا للاستفادة القصوى من هبوط وارتفاع الأسعار والدخول في حلقات صناعية جديدة تضع في عين الاعتبار تقليل الاعتماد على الوقود الهيدروكربوني التقليدي، تفتقر الدول النفطية إلى سياسات وخطط تنموية مستديمة لتنويع مصادر دخلها وتقليل اعتمادها على النفط كمصدر دخل رئيسي.
إنشرها