النجاح الوظيفي بين الشهادة والمهارة

|

عند الحديث عن التوظيف، سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، يطرح موضوع الشهادة والخبرة وفق اتجاهين؛ فبعضهم يرى أن الشهادة مهمة في عملية التوظيف في القطاعين؛ لأنها تمثل محكا واضحا وموضوعيا، لا يعتريه لبس، ولا يمكن أن يكون للذاتية دور في عملية التوظيف؛ فالمفاضلة بين المتقدمين تكون على أساس الشهادة، إضافة إلى المتغيرات الأخرى؛ فالفرد الحامل للشهادة أمضى سنوات من عمره للحصول عليها، وحصل على معلومات؛ منها العام ومنها الخاص، ذو العلاقة بطبيعة الوظيفة، فمن يحصل على شهادة بكالوريوس في التاريخ - على سبيل المثال لا الحصر - سيكون أجدر في تدريس مادة التاريخ من غيره الذي قضى جزءا كبيرا من عمره في دراسة الرياضيات، حتى إن كان متخصص الرياضيات ذا خبرة طويلة في التدريس - على سبيل المثال، فخبرة تدريس الرياضيات لن تكون كافية؛ إذ المعرفة في التاريخ ناقصة، أو غير موجودة لديه.
الاتجاه الآخر في تناول الموضوع يرى أن الشهادة لا قيمة لها في التوظيف، فما هي إلا ورقة لا تقدم ولا تؤخر شيئا في النجاح الوظيفي؛ فالنجاح في الوظيفة بالنسبة إليهم يتطلب الخبرة والمهارة، وتلعب خصائص الشخصية دورا في ذلك، ولا يمكن رفض هذا الطرح بالكامل؛ فالخبرة مهمة، والمهارة كذلك، إضافة إلى خصائص الشخصية، لكن اكتساب المهارة لا يتحقق إلا بمعرفة تشكل الأساس لتطور المهارة، فالكهربائي يلزمه معرفة الطاقة، والجهد، وكهرباء 110 و220 وغيرها من المعارف ذات العلاقة، إذا ما أراد أن ينجح في مهنته، ولا يمكن توقع نجاحه دون توافر الأساسيات بشأن الكهرباء.
وما من شك أن المعرفة وحدها غير كافية لأي مهنة، فعمل العلاقات العامة يتطلب خصائص شخصية للنجاح؛ كالمبادرة، وإقامة العلاقات، والقدرة على الإقناع، والبشاشة، وحسن التعبير، وحسن الاستقبال، ولا نتوقع نجاح الفرد في هذه المهنة، حتى لو قرأ آلاف الكتب في العلاقات العامة ما لم تكن لديه خصائص الشخصية آنفة الذكر.
يضيف أصحاب هذا الاتجاه ما يحصل من تزييف في الشهادات من قبل مؤسسات وهمية، وأفراد يدفعون أثمانا كبيرة للحصول على الشهادة، دون جهد بذلوه يجعل الشهادة لا قيمة لها في التوظيف، وما من شك أن هذا النوع من الشهادات لا قيمة له في التوظيف أو غيره؛ إذ لا معرفة ولا مهارة تكتسب منها، وما من شك أن هذا الطرح لا يمكن أن يقبله عاقل؛ لما فيه من تعميم، لا مسوغ له؛ إذ لا يمكن رفض الشهادات، وإنكار قيمتها، وضرورة أخذها في الحسبان عند التوظيف لمجرد حدوث بعض عمليات التزوير في الشهادات، فالعالم مليء بالجامعات والمعاهد ذات البرامج الأكاديمية المعتبرة، والسمعة العالية، وتخرج فيها أجيال خدموا أوطانهم بكفاءة وجودة لا نظير لها، ولولا هذه المؤسسات التعليمية، لما وجدنا هذا التطور في المجالات كافة؛ ما يؤكد أهمية المعرفة في النجاح الوظيفي.
الشهادات، خاصة العليا، لا تتحقق بالتمني؛ بل بالجهد والسهر، وبالواجبات والاختبارات، وآلاف الساعات في المكتبات الجامعية بين الكتب، والمجلات العلمية، قراءة، وكتابة، وترجمة، ونقاشا مع الزملاء، ومواقف تحدٍّ، خاصة الذين حصلوا عليها في لغة ليست لغتهم الأم، وفي سياق ثقافي مختلف، وبيئة اجتماعية تختلف في عاداتها وتقاليدها عن تلك التي وُلد وعاش وتربى الفرد فيها.
بلا أدنى شك، هناك مهن لا تتطلب شهادات وخبرة.. وشيء من التدريب يكفي فيها كبائع في بقالة، أو كمزارع، لكن ليس كل حالات البيع تستغني عن الشهادة، فالتسويق وإقناع الزبون بالبضاعة أصبحا علما يُدرس في أرقى الجامعات، وتُمنح فيه أعلى الشهادات، فالزبون لم يعد جاهلا، ويمكن إقناعه بسهولة، فلديه أسئلة تلزم الإجابة عنها، ولديه معلومات تخص البضاعة؛ تختلف وربما تفوق ما لدى البائع، لذا لا يمكن إنكار قيمة وفائدة الشهادة، كما لا يمكن أن تكون الشهادة كافية للنجاح في الوظيفة، ومتى توافرت الشهادة والخبرة، اكتملت معادلة النجاح الوظيفي.

إنشرها