يوم المعلم .. يوم المراجعة

|

قبل أيام مر علينا اليوم العالمي للمعلم، وهذا اليوم، وغيره من الأسابيع والأيام الأخرى، كيوم الأم، وأسبوع الشجرة، وأسبوع المساجد تمثل علامة وثقافة متحضرة للاهتمام بهذه الأشياء، وإدراك قيمتها وأهميتها في حياتنا، فما من كائن بلا أم، وبفضل الله، ثم فضلها وجد في هذه الدنيا، وما من طالب إلا وله معلم أخذ بيده في طريق العلم حتى بلغ ما يريد من معرفة، وحقق ما يصبو إليه من أهداف دنيوية مع ما للعلم من أهمية أخروية، ذلك أنه بالعلم الشرعي يؤدي الفرد عبادته على الصورة الصحيحة، وبالعلم الطبيعي يستمر النماء، وتُبنى الحياة.
أعتقد أن يوم المعلم يفترض ألا يقتصر على التذكير فقط بقيمة المعلم في المجتمع، بل لا بد أن يكون مناسبة للمراجعة بشأن وضع المعلم، سواء بالنسبة للأنظمة والسياسات التي تحفظ له حقوقه المعنوية والاجتماعية والمادية، أو تلك التي تهيأ لإعداده الإعداد المناسب، الذي يسهم في تحقيق الأهداف التنموية. وقد يستغرب البعض، ويتساءل: ما علاقة المعلم بالتنمية؟ وهنا مربط الفرس بشأن الذين لا يدركون أهمية المعلم في المجتمع. فما وصل إليه مجتمعنا من نقلات نوعية في ثقافة المجتمع بشكل عام، وما تحقق لأبنائه من مستويات معرفية عالية وفي كل المجالات لا يمكن تحقيقه من دون المعلم، وإذا كان المثل يقول: "وراء كل عظيم امرأة"، فمن المؤكد أن وراء كل متعلم أيا كان مجاله معلما، سواء في مدرسة نظامية، أو في مدرسة الحياة بشكل عام.
لو سألنا المعلمين: ماذا تريدون؟ لربما وجدنا إجابة مشتركة، تمثل حاجة إلى كل المعلمين، وأولى هذه الحاجات الاحترام والتقدير الاجتماعي لمهنة التعليم والقائمين عليها، وهذه الحاجة النفسية التي أكدها إبراهام ماسلو في هرم الحاجات، إلى وقت قريب كان المعلم يحظى بالاحترام والتقدير من الطلاب ومن ذويهم، بل كانت له هيبة لا تتوافر إلا له، لكن مع التغيرات الاجتماعية الهائلة، تغيرت الصورة نحو المعلم، ونسي الناس أن المعلم هو من خرّج المعلم، والطبيب، والمهندس، والطيار، وضابط الشرطة، وميكانيكي السيارات، والكهربائي، فلماذا هذا الجحود والنكران لقيمة المعلم؟!
في ظني أن المعلم ذاته أسهم في هذه الصورة السلبية عنه، فبعضهم - وهم قلة - لم يدخل سلك التعليم عن رغبة في المجال، بل التحق بسلك التعليم لتوافر الوظيفة، لا غير، ولذا لا يوجد الانتماء الحقيقي الذي يدفعه إلى الإخلاص والعطاء بدافعية عالية، ومن الطبيعي أن أي تساهل في أداء المهمات سيظهر المعلم بصورة غير جيدة أمام طلابه، ما يقلل من شأنه في عيونهم.
وإذا علمنا أن حاجة الانتماء من الحاجات الرئيسة للإنسان، سواء انتماء لأسرة، أو مجتمع، أو مهنة، فافتقاد الشعور بالانتماء إلى مهنة التعليم يترتب عليه عدم تطوير الذات معرفيا ومهاريا، خاصة في هذا الزمن الذي تتوافر فيه المعلومة عبر وسائط عدة، ولم تعد مقتصرة على الكتاب الذي اقترن في السابق بالمعلم، فالتقنية الحديثة أحدثت ثورة معلوماتية هائلة في حجمها وتنوعها، وسهولة الوصول إليها.
شخصية المعلم، والقيم التي يحملها، وأخلاقه، وتصرفاته، ومظهره الخارجي في اللباس، وطريقة الحديث - عوامل تسهم في إيجاد كاريزما للمعلم، وما من شك أن إهمالها يسهم في صناعة صورة سيئة عن المعلم، فهل نعي - نحن المعلمين - هذه الحقائق لنسهم في إعادة رسم الصورة المثلى للمعلم؟! كما أن السقطات السلوكية التي تحصل من بعض المعلمين لها أثرها السلبي، مثلها مثل السلوك القويم له أثره الإيجابي في صناعة صورة ذهنية جيدة عن المعلم. إن تطوير المعلم ذاته في متابعة كل جديد معرفي في مجال تخصصه، يكسبه قوة أمام طلابه، وحضورا جيدا في الميدان، ومن المؤكد أن توفير الفرص للدورات، وورش العمل، حسب الحاجات والمستجدات، يمثل حقا وحاجة لازمة إلى تطوير المعلم، وتطوير العملية التعليمية.
المجتمع بشكل عام، والمؤسسات المعنية بالتعليم ممثلة في وزارة التعليم وغيرها من الهيئات ذات العلاقة يفترض فيها ألا تتعامل مع المعلم بصفته متلقيا للتعليمات الفوقية، بل بصفته مشاركا ومخططا، ومنفذا للعملية التعليمية بكل مراحلها وأدوارها، والأحرى بصفته خبيرا استقى الخبرة من الميدان. المعلم وأسرته بحاجة إلى رعاية طبية كغيره من الناس، ومع أن الوزارة أوجدت برنامج التأمين الطبي مقابل رسوم يدفعها المعلم، إلا أن هذا غير كاف؛ إذ لا بد من بذل الجهد لتوفير برنامج أفضل، كما أن إدخال المتميزين من المعلمين في رسم الخطط التنموية، وتقويم الميدان يمثل استشعارا، وإشعارا بأهمية المعلم في الحياة بشكل عام.  

إنشرها