الاستقرار النفسي أساس الاستقرار العائلي

|

شرع الله الزواج لتستمر الحياة على كوكب الأرض إلى الأجل الذي قدره، ومن أجل النماء، والعمارة التي تحيا بها النفوس، وقد وردت نصوص كثيرة بشأن الزواج وقيمته على مستوى الفرد والمجتمع، حيث جعله الله آية من آياته - جل شأنه -: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". المودة والرحمة بين الزوجين هما الأساس الذي تستمر به الحياة الزوجية، وتنشأ الأسرة، وتتفرع لتتشكل منها لبنة صالحة قوية، تضاف إلى لبنات المجتمع الأخرى، ما يزيد المجتمع قوة وازدهارا ونماء. وقد حث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشباب على الزواج؛ لما له من قيمة في حماية المجتمع من الانحرافات والفساد الذي يدمر أي مجتمع، متى ما انتشر فيه: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء"؛ أي حماية من الانحراف، لما يحدثه الصيام من إضعاف للشهوة، وما يترتب عليه من تقوى.
التكاثر في النسل، الذي هو ثمرة الزواج، حث عليه الحديث: "توالدوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"، وبالطبع النسل الكثير الصالح، المتعلم، القادر على العطاء والعمل، وليس ذلك النشء الذي يتحول إلى عامل هدم في مجتمعه؛ لما يرتكبه من مخالفات شرعية ونظامية تضر بالآخرين، وتؤثر في استقرار المجتمع، وطمأنينته، كما يحدث من بعض الأفراد في كل مجتمعات العالم.
وفي مقابل الزواج، أحل الله الطلاق، ومع ما يحدثه الطلاق من ألم في النفس، إلا أنه وسيلة لا بد منها للخروج من مأزق عدم القدرة على استمرار العلاقة الزوجية، حين تتحول إلى مصدر لعدم الراحة والطمأنينة والسكينة، التي وردت في الحديث الشريف: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". انفصال رباط الزواج ليس بالأمر الهين؛ لأنه هدم لبيت يلتئم فيه الشمل، وآثاره السلبية تظهر بشكل أوضح على الأبناء؛ حيث المعاناة والصراع النفسي الذي يؤدي إلى شيء من التشوش الذهني وعدم الاستقرار، وبالأخص عندما يستخدمهم أحد الأبوين وسيلة ضغط يؤذي بها الطرف الآخر، كضرب وسوء معاملة لهم، والمنع من الزيارة.
قرأت إحصائية للزواج والطلاق خلال شهر شوال من عام 1439هـ، حيث تم توثيق عشرة آلاف حالة زواج، وهذا أمر مبهج، يتسق مع الفطرة، ويسهم في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي، إلا أن حالات الطلاق للشهر نفسه بلغت أكثر من خمسة آلاف، وبقدر الفرحة والسرور بعدد الزواجات يكون الألم بسبب حالات الطلاق الكثيرة، ولذا طرحت السؤال التالي:
لماذا هذا العدد الكبير من حالات الطلاق؟
أمور كثيرة تتداخل، أهمها عدم الاختيار الجيد، سواء للزوجة، أو الزوج، ويحدث عدم الاختيار الجيد بسبب قلة المعلومات بشأن أحد الطرفين، أو لعدم صحة المعلومات ودقتها، ما يُحدِث حالة من عدم التوافق في طريقة التفكير، أو في بعض العادات، أو الذوق في الأكل واللبس، كما أن من الأسباب السلوك والتصرفات التي تصدر من أحد الطرفين سواء بقصد أو عن غير قصد، كطريقة الأكل، أو الكلام، ما يُوجِد حالة من عدم الرضا، يبني عليها الطرف الآخر أحكامه ونظرته لمن يفترض أن يكون شريك حياته، حتى يكبر الموضوع، ويذكر كل طرف الطرف الآخر بالسلبيات متناسيا الإيجابيات التي لا تحصى؛ لكثرتها مقارنة بالسلبيات، لتشكل أساسا لسوء العلاقة فـ"معظم النار من مستصغر الشرر".
الوضع الاقتصادي، خاصة للزوج الذي هو المسؤول شرعا، يمثل عاملا أساسيا في استقرار الحياة الزوجية واستمرارها في هذا العصر، نظرا لكثرة المتطلبات، وإذا لم تتفهم الزوجة ظروف زوجها، يتحول الموضوع إلى سجال وجدال، يُحدِث ضغوطا نفسية تنتهي بالطلاق، ولذا فالتوافق في طريقة التفكير، والرؤية نحو الزواج تجنب الزوجين ما قد يكون سببا في الانفصال، فالقناعة، والواقعية في المصروفات تمثل أساسا للاستقرار الزواجي، وكذلك تجنب البخل من قبل الزوج، والسعي إلى توفير الحياة الكريمة للعائلة يقويان بناء الأسرة. أحد الأطباء النفسيين في أمريكا ذكر أن 75 في المائة‏ من الأزواج المراجعين له في العيادة يعانون ضغوطا نفسية متعددة المصادر، ومنها تصرفات وسلوك أحد الزوجين تجاه الآخر.
تدخل الأسر في الحياة الزوجية، ونقد الزوج من قبل أهل الزوجة والعكس، ومقارنة وضع الزوجة بصديقاتها وقريباتها يثير الغيرة في نفس الزوجة، ويؤسس لمشكلات تنتهي بالانفصال، فهل تعي الأسر الآثار السلبية للتدخلات، وتجعل الزوجين يتفاهمان بينهما، ولا يتدخلان إلا بما فيه الخير؟!
أجزم أن المحاكم يتوافر لديها كم هائل من المعلومات، بشأن المشكلات الزواجية، والأسباب الشائعة والمتكررة للطلاق، وفي هذا مادة علمية لدراسات نفسية واجتماعية وتربوية وشرعية، فهل تتاح هذه المعلومات للدارسين مع حفظ خصوصية الأسر والأفراد؟.

إنشرها