طريق الحرير بين الترحيب والتوجس

|
تطرقت المقالة السابقة إلى مبادرة الصين لإحياء فكرة طريق الحرير المسماة "مبادرة الحزام والطريق BRI"، التي تتلخص في ربط الصين بطرق وممرات برية وبحرية تجارية إلى قارات العالم القديم الثلاث آسيا وأوروبا وإفريقيا. وخصصت الصين مبالغ طائلة لتنفيذ هذه المبادرة، تصل - حسب بعض التقديرات - إلى أربعة تريليونات دولار، تنفق على استثمارات جلها للبنية الأساسية في البلدان التي يعبر بها "طريق الحرير الجديد". تتكون المبادرة من شقين أحدهما بري يسمي حزام طريق الحرير الاقتصادي، والآخر بحري أطلق عليه طريق الحرير البحري للقرن الـ21. يتضمن الطريق البري ممرات إلى أوروبا والبحر المتوسط والخليج العربي والمحيط الهندي، بينما يتضمن الشق البحري ممرات مائية إلى الدول التي تغطيها المبادرة. من المتوقع أن يعود الإنفاق الضخم، الذي تتضمنه المبادرة بالنفع على الاقتصاد العالمي، حيث ستسهم الاستثمارات في تعزيز النمو الاقتصادي في الدول المستهدفة، وزيادة كفاءة بنيتها الأساسية، التي ترفع في العادة كفاءة استخدام الموارد. ويتوقف التأثير الكلي لهذه المشاريع على التكاليف والشروط التي على الدول المستهدفة تحملها والوفاء بها. وترتبط المبادرة بشكل كبير بالاقتصاد الصيني، لهذا فإن الصين هي المستفيد الأول من المبادرة، حيث ستنفذها شركات الإنشاء والتعمير الصينية، وستشجع أيضا على زيادة صادرات المنتجات الصينية. في الوقت نفسه، تستطيع دول العالم الأخرى استخدام الممرات التجارية لزيادة واردات الصين منها، ما لم تعمد الصين إلى وضع عراقيل أمام الواردات، أو استخدام نفوذها لدى الدول المستهدفة للحد من الصادرات إليها. تتوجس بعض دول العالم من التصرفات الصينية، على الرغم من أن الصين تتجنب حاليا التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولكن ليس هناك ضمانات وثبات في العلاقات الدولية، فقد تتغير هذه السياسات عند تغير القيادات، أو اكتساب البلدان القوى الاقتصادية والعسكرية والسياسية. وتأتي هذه المبادرة في إطار المنافسة المتنامية بين الصين والولايات المتحدة على النفوذ والتجارة، كما تأتي ضمن تخوف الولايات المتحدة من أن تحل الصين في الصدارة الاقتصادية العالمية، ما يقلل من مكانتها على المستوى العالمي. يرى عديد من المحللين أن المبادرة الصينية جاءت ردا على اتفاق الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، التي استثنت الصين "ألغاها الرئيس ترمب". وتتخوف بعض الدول من أن هذه المبادرة قد تزيد مخاطر الصراعين الاستراتيجي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، ولا تريد الدول المستهدفة أن تصبح ساحة صراع بين هذين العملاقين. يرى عديد من الآسيويين القريبين من الصين، أن نفوذ الولايات المتحدة آخذ في الأفول في تلك المنطقة، وأن النفوذ الصيني آخذ في التزايد، ما يثير مخاوف الدول المجاورة للصين من بداية عهد السيطرة الصينية على المنطقة. صحيح أن الصين لا تملك ماضيا استعماريا يثير قلق دول العالم، ولكنها ابتلعت بسرعة بعض المناطق المجاورة لها، وأصبحت أقاليم صينية "كالتبت وتركستان الشرقية". فيما يتعلق بإفريقيا مثلا ساعدت المبادرة الصين على المحافظة على مكانتها كأكبر شريك تجاري للقارة السمراء عام 2017 وللعام التاسع على التوالي، بحجم تجارة بينية بلغ 170 مليار دولار. جاء ضمن المبادرة للقارة الإفريقية مساهمة الصين في بناء مشاريع البنية الأساسية في القارة، التي شملت أكثر من خمسة آلاف كيلومتر من السكك الحديدية، وأكثر من خمسة آلاف كيلومتر من الطرق السريعة. تقول الصين إن مشاريع الشركات الصينية في مجال البنية التحتية ولدت ما يقارب 900 ألف وظيفة محلية في البلدان الإفريقية، ما حفز اقتصادات كثير من دول القارة السمراء. ينتاب بعض الدول القلق من إمكانية استخدام الحكومة الصينية المبادرة لتوسيع نفوذها وتوسعها الاستراتيجي على المستوى العالمي. كما تنتقد التمويلات الصينية لمبالغتها في معدلات الفائدة التي تتقاضاها على التسهيلات الممنوحة لبعض المشاريع، ما سيجبر المقترضين على الرضوخ للمطالب الصينية غير المرضية. وقد اضطرت الحكومة السريلانكية مثلا إلى تأجير أحد موانئها للصين لمدة 99 عاما؛ لأنها عاجزة عن دفع فوائد التسهيلات الصينية. وعلى الرغم من أن عقد الإيجار يمنع استخدام الميناء للأغراض العسكرية، إلا أن هناك تخوفا من أنه سيقدم تسهيلات في وقت لاحق للأساطيل الصينية. تعتبر باكستان من أبرز البلدان المستهدفة، حيث حظيت بتمويلات تصل قيمتها إلى 60 مليار دولار لتنفيذ مشاريع البنية الأساسية ومشاريع الطاقة، ولكن معدلات الفوائد التي ستجنيها الصين مرتفعة، كما أن تعريفات الطاقة المفروضة على مشاريع الطاقة الممولة مرتفعة، ما سيلقي أعباء مستقبلية على ميزان المدفوعات الباكستاني. وقد انتهت الصين أخيرا من بناء ميناء قودري في باكستان، الذي سيساعد على تصدير المنتجات الصينية من غربي الصين إلى إفريقيا وآسيا، كما قد يكون منافسا للموانئ الأخرى القريبة، التي من ضمنها الموانئ الخليجية. وتوجه انتقادات أخرى للصين بأنها واقعية أكثر من اللازم في تعاملاتها، فقد تتغاضى عن ممارسات الفساد، كما أنها لا تتقيد كثيرا بحقوق العمالة، ولا تلتزم بالمعايير البيئية؛ حيث أنشأت مثلا عديدا من محطات الطاقة الكهربائية المستخدمة للفحم الحجري في باكستان.
إنشرها