الخطى الجديدة للاقتصاد الوطني .. إصلاح وتطوير

|
حينما تستقرئ اقتصاد وطن يقترب من إنهاء عقده التاسع، فإنك بكل تأكيد ستحظى باكتشاف تجارب ثرية، تستحق من المختصين الاقتصاديين والمهتمين مزيدا من الدراسة والبحث، ستقدم لنا جميعا خلاصة ونتائج عقود زمنية طويلة، انبثقت من مراحل ومتغيرات يكاد بعضها لا يمت بصلة لبعضها الآخر! بدءا من مرحلة قبل اكتشاف النفط، ثم بعد اكتشافه والعمل المضني الذي استغرقه طوال أربعة عقود سبقت الطفرة النفطية في منتصف السبعينيات الميلادية، شهدت خلالها تحول أغلبية السكان محدودي العدد من مختلف مناطق المملكة وهجرتهم نحو المدن، وتزامنه مع بدء الانتشار البطيء للتعليم، وعديد من التحولات الاجتماعية التي لم يألفها الإنسان السعودي، سرعان ما انجذب نحوها في نهاية تلك الحقبة الزمنية، بعد أن اكتشف أثرها الإيجابي في تحسن مستواه المعيشي، وأهمية المعطيات الجديدة التي تفرز المستويات المجتمعية بشكل مختلف تماما عما سبق للمجتمع المتنوع العادات والتقاليد طوال عقود مضت، ترتبط تلك المعطيات بمستوى التعليم والخبرة العملية، إضافة إلى حجم الثروات التي أصبح الطريق إلى تحقيقها أسهل وأوسع خيارات، مقارنة بما كانت عليه في عقود سبقتها. كان العوز والفقر وافتقار البلاد إلى أسباب الأمن والاستقرار قبل توحيدها ولم شملها، كل ذلك وغيره من علو كعب التناحر والحروب من أهم وأكبر العوائق، التي تسببت في حرمان إنسان هذا الجزء المهم من العالم من المحافظة على وجوده، وحرمانه من نيل خيارات الحياة المدنية المستقرة، التي تتيح له فرصا لا حصر لها تمكنه من الوفاء بخلافته في الأرض كما قدره له خالقه، وكيف أن تلك الحياة قبل تأسيس هذه البلاد وتوحيدها، تسببت في انعدام أية فرصة للإنسان للبناء والنهضة والتطور، كلها أصبحت في طي النسيان بفضل من الله ثم بفضل المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله تعالى- ورجاله المخلصين معه. انقضت المرحلة الأولى من تحولات الحياة والاقتصاد بحلول السبعينيات الميلادية، بعد الارتفاع القياسي لأسعار النفط، ودخلت البلاد مرحلة مختلفة تماما عما سبقها، تدفقت على أثرها مئات المليارات من الريالات على اقتصاد محدود السعة، وفي وقت لم يصل خلاله المجتمع السعودي بعد إلى الدرجة اللازمة من الأهلية التعليمية والخبرة العملية الكافية، التي تؤهله لإدارة تلك الثروات والقيام على تنفيذ الآلاف من مشاريع تأسيس وتطوير البنى التحتية المختلفة، ما استدعى استقدام الملايين من العمال الوافدين، ليخوض المجتمع السعودي أحد أسرع التجارب العالمية للتحول على جميع المستويات، وصل بعد مضي نحو خمسة عقود زمنية إلى نقطة مفصلية، كان لابد من الوقوف عليها بمسؤولية كاملة، والمراجعة الدقيقة لكل ما تحقق من منجزات وإخفاقات، ووضع البرامج والسياسات اللازمة التي تدفع بالمنجزات المتحققة نحو درجات أعلى وأفضل وأوسع، والعمل أيضا على المواجهة الحقيقية لأي تحديات وأزمات تنموية نتجت عن الإخفاقات التي حدثت. نشأت في نهاية مرحلة زمنية انقضت رؤية شاملة مستقبلية للبلاد والعباد "رؤية المملكة 2030"، التي كان إعلانها والبدء في تطبيقها على أرض الواقع بمنزلة الدخول الحقيقي إلى مرحلة زمنية جديدة، تختلف جذريا عما سبقها من المراحل الزمنية السابقة من عمر بلادنا العزيزة، قامت بتوظيف الخبرة الطويلة التي اكتسبها أبناؤها وبناتها طوال العقود الخمسة الأخيرة، في بناء وتصميم برامج وسياسات الرؤية المستقبلية، والأهم من ذلك الطموح الكبير جدا الذي حملته أهداف تلك "الرؤية"، أنها صممت هذه المرة ليتم تنفيذها بالاعتماد شبه الكامل على الموارد البشرية السعودية، على العكس تماما مما حدث أثناء تصميم وتنفيذ الخطط التنموية الخمسية 1970. أتت هذه "الرؤية" مستهدفة في المجمل العمل الدؤوب والحازم تجاه إصلاح الإخفاقات السابقة، ومعالجتها الصارمة والنهائية مهما كانت التكلفة، وفي الوقت ذاته العمل أيضا على ابتكار برامج تنموية أكثر اتساعا وشمولية وديناميكية وأعلى طموحا، تستهدف التحول بالاقتصاد الوطني جملة وتفصيلا من الاعتماد المفرط على النفط، والانتقال به إلى شكل مختلف تماما يعتمد على تنوع قاعدته الإنتاجية، وعلى كوادره الوطنية، ذكورا وإناثا، وهو المشروع الحضاري الذي لا يزال العمل جاريا على تنفيذه منذ أكثر من عامين ماضيين، وسيستمر العمل على تنفيذه حتى نهاية 2030. تمكن الاقتصاد الوطني - بتوفيق الله - من تجاوز الصدمة الأولى المتوقعة حال بدء تنفيذ مثل هذه البرامج الإصلاحية والتطويرية العملاقة، انعكست على تحسن معدلات نموه الحقيقية، وتحسن المالية الحكومية وانخفاض العجز المالي، إضافة إلى تحسن ميزان تعاملاته الخارجية والاستثمارية، وتدريجيا سيبدأ الاقتصاد الوطني باكتساب مزيد من القوة والمتانة، نتيجة تلك الإصلاحات الجذرية، والحظوة بمزيد من الفرص التي تمكنه من فعل وتنفيذ وتطوير مقدراته - بإذن الله تعالى - وهو ما يتطلب جهدا كبيرا من قبل مختلف الأجهزة الحكومية والمجتمع على حد سواء، والتأكد أن الكاسب الأكبر من كل تلك التحولات الإصلاحية والتطويرية هو الوطن ومجتمعه، سائلا الله العلي القدير في الختام، أن يديم على قادتنا وبلادنا وأهلها الأمن والسلام والتقدم والنهضة. والله ولي التوفيق.
إنشرها