يوم الوطن والأرقام الضخمة في الاقتصاد

|
من عادات البشر أنهم يتذكرون بفخر وعزة أيام انتصاراتهم وتضحيات عظمائهم في سبيل أمنهم واستقرارهم، وليس في هذا ما يخالف الشرع المطهر في شيء. حقيقة نحن أولى بكل يوم ينتصر فيه الحق على الباطل، والخير على الشر، والوحدة على الفرقة. نحن أولى بيوم الوطن الذي وفق الله فيه الملك عبدالعزيز ــ طيب الله ثراه ــ لجمع الناس على كلمة سواء، ودولة مهيبة راسخة واحدة، يأمن فيها الحاج في حجه، والتاجر في سوقه، والطالب بشيخه وعلمه، ويهنأ المريض في علاجه والطبيب في طبه. نحن أولى بيوم الوطن، يوم الملك عبدالعزيز الذي قمع الله به أهل الشقاق، والتحزب والإرهاب، وبنى لنا وطنا نتعلم فيه بأمن وأمان، لو أخطأنا لا تثريب علينا في وطن يأخذ الجاهل حتى العلم بصبر وأمل، والمريض حتى الشفاء، والفقير حتى الغنى، والصغير حتى كبرنا جنودا نحمي الحدود وأطباء نعالج المرضى وعلماء نقدم للبشرية الخير والنماء. نحن أولى بيوم للوطن، نتذكر فيه سيرة جميع الملوك أبناء المؤسس من بعده، كيف واجهوا عقبات البناء الأولى، وأولى بالملك فيصل والملك خالد وكيف بدأت خطط التنمية عام 1390هـ، لتنقل الاقتصاد السعودي، إلى حالة الرخاء وتدفق الثروات من باطن الأرض بكميات تجارية ضخمة، وهنا لا بد من وقفة طويلة للحديث بالأرقام، حيث قفز الناتج المحلي من 22 مليارا عام 1390هـ إلى ما يزيد على 170 مليارا في مدة وجيزة جدا وانتقل نصيب الفرد من 3700 ريال (920 دولارا) إلى أكثر من 25 ألف ريال عام 1394هـ (6000 دولار) ثم إلى أكثر من 60 ألف ريال (17 ألف دولار) عام 1400هـ، وبلغ الناتج المحلي 680 مليار ريال (184 مليار دولار) وهي قفزة هائلة جدا نقلت الناس والمجتمع من حالة اللاوعي الاقتصادي إلى الاقتصاد الحديث الموجه بوعي وحكمة، ومن كان لا بد للمجتمع من قبول الانتقال من الجنيه الذهبي إلى الريال السعودي الورقي، في رحلة اقتصادية عاصفة وسريعة تمثل مرجعا نظريا كبيرا ودروسا عظيمة في الانتقال السلس نحو بناء النظام المالي المحكم بمؤسسة النقد وبنوكه الأولى التي حمت الاقتصاد وأموال الناس وشجعت الادخار والاستثمار للمساهمة الفاعلة في التنمية الشاملة، أحزابكم وإرهابكم وخططكم لتفريق الناس خير أم هذه الدولة بوحدتها ومؤسسيها بناة الوطن وحماته من كل شر؟ نحن أولى بيوم للوطن، نتذكر فيه الملك فهد، عهد عظيم ومجد تليد، أخذت فيه المملكة موقعها اللائق بها في السياسة الدولية، بعدما كنا على هامش الأحداث أصبحت المملكة في عهده سيدة الحدث، والوفود تأتي إليها من كل أقطار الكرة الأرضية. واقتصاديا، استطاع الملك فهد إدارة دفة الاقتصاد بحكمة، حيث إن المملكة امتصت جميع آثار الطفرة الاقتصادية الهائلة، وبدا من الحكمة ضبط الإنفاق والسيطرة على التضخم الذي بدأ يؤثر في الاقتصاد مع أزمة صدمة تراجع أسعار النفط العالمية، وتراجعت معه مؤشرات النمو لكن حكومة الملك فهد استطاعت حينها أن تعيد التوازن بسرعة والنمو في الناتج المحلي بأكثر من 11 في المائة وأن يعود حجم الناتج المحلي إلى أكثر من 180 مليار دولار ويستمر النمو حتى وصل إلى أكثر من 200 مليار دولار مع اقتراب عام 2000، وهو النمو الذي استمر بعدها حتى وصل إلى أرقام قياسية متكئا على تلك الإصلاحات المهمة التي وضعتها حكومة الملك فهد - رحمه الله - واستمر نمو نصيب الفرد في الناتج المحلي رغم أن عدد السكان ارتفع من أربعة ملايين نسمة عام 1960 إلى ما يزيد على 30 مليون نسمة عام 2000، مع متطلبات تنموية متزايدة، كما اهتمت حكومته بتنويع قاعدة الإيرادات العامة حيث ارتفعت نسبة مساهمة القطاع غير النفطي في المالية من 11 في المائة إلى 30 في المائة في منتصف التسعينيات، كما اهتم بالصناعات التحويلية ليرتفع إسهامها في الناتج المحلي إلى أكثر من 5 في المائة، وزاد عدد المصانع إلى ما يقرب من 200 مصنع باستثمارات تقارب مليارين إلى أكثر من ثلاثة آلاف مصنع باستثمارات تتجاوز 230 مليارا، كما اهتم بالزراعة، وأنتجت المملكة القمح بكميات ضخمة ونسب وصلت إلى ثلاثة أضعاف. كما بدأت في عهده الميمون أكبر سلسلة لتوسعة الحرمين الشريفين ووضع لبناتها عندما أعلن لقب خادم الحرمين الشريفين وصادق الواقع الخبر، فقد أنفقت المملكة ومنذ عهده المليارات من أجل خدمة الحجيج، حتى غصت بهم أرجاء المشاعر حتى ظهر للأمة الإسلامية ضرورة تنظيم الوفود. نحن أولى بيوم للوطن، نتذكر فيه الملك عبدالله ـ رحمه الله ـ الذي استمر على نهج سلفه الملك فهد في أسلوب خطط التنمية مع مشهد اقتصادي سجلت فيه أسعار النفط ارتفاعات غير مسبوقة حتى وصل سعر برميل النفط إلى أكثر من 100 دولار، وارتفع سقف الإنفاق الحكومي بشكل قياسي حتى وصلت الميزانية العامة للدولة إلى سقف 800 مليار ريال. نحن أولى بيوم للوطن نجدد فيه البيعة للملك سلمان الذي حمل الراية بعد إخوانه الأمناء منذ عهد المؤسس، بمرحلة جديدة تأخذ في اعتبارها التحولات الاقتصادية الحديثة وحرية الأسواق والتجارة الإلكترونية، برؤية استراتيجية جديدة بعدما استنفدت خطط التنمية مبادراتها، وأصبح لا بد من نهج جديد وخطط تناسب المرحلة، وبدأ بمحاربة الفساد بجميع أشكاله وصوره واضعا نصب عينيه تنوع مصادر الدخل وتوازن المالية وإنتاج الطاقة بصور شتى وأن يسهم الشباب في النهضة الحديثة، كل ذلك في شفافية ووضوح أعلنتها "رؤية المملكة 2030"، وبقيادة شابة يترأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ورغم نهج ضبط الإنفاق، فقد استمرت المملكة في الميزانية العامة التوسعية حفاظا على زخم الاقتصاد ونموه، فتم إقرار أضخم ميزانية تتجاوز 900 مليار وهي أكبر ميزانية في التاريخ الاقتصادي للمملكة منذ تأسيسها، كما تم تنفيذ خطط التوازن المالي بدعم نمو الإيرادات النفطية التي حققت نموا غير مسبوق، وبلغ حجم مساهمة الإيرادات غير النفطية أكثر من 50 في المائة من المالية العامة وهو رقم لم يتحقق من قبل، حققنا الأهم، حيث أكدت المملكة قدرتها على قيادة الاقتصاد العالمي بعد انهيار أسعار النفط، وأعادت التوازن بفضل الله ثم بفضل هذا الملك وحكمته. كما نعيش اليوم على أعتاب التعليم المتطور بكل تقنياته، والسوق المالية الحديثة الجذابة، في ظل وحدة شعبية مدهشة وتلاحم فريد بين القائد وشعبه، وسط منطقة تشهد انفلاتا أمنيا خطيرا، وانهيار التنظير الحزبي مع ما خلفه من فوضى عارمة، ونماذج التدخل الخارجي للهيمنة على القرار العربي مخلفة حربا وبؤسا كبيرين. نحن أولى بيوم للوطن نفرح بأبنائه البررة، ونجدد العهد لملوكه الذين سخروا كل إمكاناته وثرواته لنموه وأمنه واستقراره ورخائه واستقلال قراره، ولن يحد طموحاتهم فيه عنان السماء، فأهلا بيوم الوطن.
إنشرها