تغييرات تعليمية لا يشعر بها العالم

|
أمران لا يشعر بهما أحد، نوم الإنسان حتى يستغرق، أو التغير في حياة الأمم حتى يستولى عليها. والبشرية اليوم تتغير بشكل مثير ومدهش. تتغير في تفكيرها، في نظرتها للحياة واعترافها بالأشياء. العلم أصبح نسبيا، ومع ذلك فإن أسس التعليم وإجراءاته لم تتغير بعد، بل لم تشعر بالتغير الذي من حولها. لقد بدأت ملامح التغيير منذ الثمانينيات في القرن الماضي، وتحولت إلى مظاهر عامة في التسعينيات، واليوم أصبحت ظاهرة للعيان في الأجهزة والتقنية وأدواتها. وسأكون واضحا جدا هنا بشأن نسبية الحقيقة، فهذا الجهاز الذي تقرأ منه هذا المقال أو هذه الورقة في يديك، هي حقيقة بقدر ما تراها أنت كذلك، والمعني أن الحقيقة أصبحت منسوبة لك أنت فقط، وأنت من يحددها ويختارها. الحقيقة التي تراها أنت موجودة في الواقع ليست بالضرورة حقيقة وموجودة عند الآخرين. المقال الذي تراه مقالا قد يعده آخر مجرد "كلام جرايد" عند غيرك، المسألة أصبحت قواعد شخصية. وكل شيء آخر كذلك، فالجهاز الذي معك وجوالك في يدك هو مجرد خردة قديمة عند غيرك. الحقيقة لم تعد ثابتة مستقرة، بل هي مجرد وجهات نظر. في أقسام المحاسبة لدينا نصر على تدريس قواعد القيد المزدوج، والدفاتر المحاسبية، التي لم تعد تمثل حقيقة لا عند الأستاذ ولا الطالب. الطالب له وجهة نظر مختلفة، وهو لا يهتم بما نقوله له، بل يشعر بملل كبير في قاعات الدرس ولا لوم عليه، فأين هذه الدفاتر وأين القيد المزدوج. وقبل أن يصل الطالب إلى مناقشتي في المحاسبة، فإنه يكون قد فقد صبره في تقبل كل ما نصر على تعليمه منذ الابتدائية، فهناك نضع له حرف الألف، وهو يرى Goggle، ويطلب منه بصوته أن يستخرج له كل ما يفكر فيه. حرف الألف في الكتاب المدرسي ليس هو حرف الألف في جهاز الحاسب كما يراه ويقرأه Google الذي أصبح هو عقل الطفل. ما أقصده أن حجم عقل طفل Google أصبح أكبر وأضخم بكثير من عقل طفل لم يكن يرى أبعد من جبل ومزرعة وكرة من القماش. إن علاقة الطفل بالحروف من أجل فهم هذا العالم من حوله لم تعد كما كانت. الوصول إلى المعرفة والتعلم والمناقشة بأفضل قواعد العلم القائمة لا تحتاج من أي طالب قراءة مفردات كتاب بقدر ما تحتاج منه إلى الوصول السهل إلى "اليوتيوب"، وفي عالم كهذا فإن الطالب الذي يصل إلى "اليوتيوب" سيكون أكثر مناقشة وحدة وجدلا من طالب آخر لا يستطيع ذلك، والمصيبة أننا لا نعترف بهذه القدرة ولا حق الطالب، لأنه لا يعرف الحروف بعد ولم يحصل على الابتدائية التي نصر عليها. إن طفلا لديه عقل بحجم Google من الصعب، إذا لم يكن مستحيلا، أن تقنعه بشيء، لكن في المقابل تستطيع وبنجاح أن تحاوره في كل شيء بشرط ألا تظهر أمامه وكأنك تحتكر الحقيقة. وفي عالم تعليمي يعترف بكل هذا، فإن الحشد الكبير من الكلمات بأي لغة كانت لدى الطرفين هو مفاتح نجاح عملية التحاور. ومن الواضح في هذا المقال أنني أرى التعليم اليوم ليس طالبا ومعلما أو مرسلا ومتلقيا، بل حوارا بين طرفين لكل منهما تجربة ضخمة جدا حتى إذا لم يخضها فعلا، بل لأن لديه عقلا جانبيا جبارا خاض كل هذه التجارب وهو Google وينمو أسرع من كل كتب التعليم ومناهجها. هنا أقول، عندما تغير العالم، يجب علينا ألا نعتقد بأننا سنمارس وصاية على عقل الآخر ولو كان طفلا فيما يستدعيه ويقتنع به من عقله الجانبي Google، بل كل ما نستطيع فعله هو تحدي اختياراته وإثبات فشلها. وإذا كنا نستطيع التساهل قليلا في هذه المسألة مع طلاب السنة الابتدائية وقبول بعض الممارسات الحالية على مضض، فإن استمرار مناهجنا التعليمية وفلسفتنا كما هي في المتوسطة والثانوية والجامعة هو محل خطر كبير، ففرض الأفكار وإجبار الطلاب على حفظها أو تعلمها وكأنها الحقائق في ظل وجود عقل جبار مع كل منهم، إنما هو كمثل من يخرق سفينته بيده أو كمن أوجد فجوة بين الأجيال يوسعها باستمرار، وإذا أقررنا أنه أصبح للطلاب عقل جبار يملأه البشر يوميا بكل المتناقضات، فإن بناء مهاراتنا جميعا، طلابا ومعملين، على التعامل مع هذا العقل، هو مدار النجاح في المستقبل، وفي عالم المهارات هذه فقد يصبح الطالب معلما، والمعلم طالبا في داخل الصف. والتحدي الذي تواجهه وزارة التعليم ليس في طباعة المناهج أو طرق التدريس، بل في وضع معايير للمهارات، وهنا لا أقصد مهارات التعليم التي تبنتها الوزارة أخيرا، حيث إنها مجرد معلومات صرفة جامدة تم تحولها إلى ما يسمى "المهارات". ما أقصده مهارات الاختيار والتقييم للحقيقة واختيارها والدفاع عنها وتقبل فشل الاختيار، التي يجب أن تكون لدى الطالب في كل مرحلة، وأكررها بكل وضوح مهارات وليس علما، فلم يعد العلم اليوم أكثر من قناعتك أنت فقط، ولم يعد ما يعده الآخر علما أكثر من خياراته هو.
إنشرها