FINANCIAL TIMES

مسعى لتغريم «آل ساكلر» مليارات الدولارات مثل صناعة التبغ

في محاولة لتعويض نفقاتهم، رفع المسؤولون العموميون دعوى قضائية ضد شركة بيردو، وغيرها من الشركات التي يرون أنها مسؤولة عن الوباء الذي يستهدف الصحة العامة في الولايات المتحدة، أملا في الحصول على تسوية بمليارات الدولارات من هذه الصناعة، وهو ما يمكن مقارنته بمبلغ 200 مليار دولار الذي تم استخلاصه من شركات التبغ الكبيرة في عام 1998.
في السنوات التالية، حقق عقار إم إس كونتين MS Contin نجاحا تجاريا متواضعا، لكن الشركة لم تكشف عن أدوية جديدة، استعدادا منها للخسارة الوشيكة في براءات اختراع الدواء.
في نهاية المطاف، أعادت شركة بيردو صياغة مادة أفيونية أخرى، هي أوكسيكودون، باستخدام نظام كونتين للتسليم المستمر لإنشاء عقار أوكسيكونتين، الذي أطلق في عام 1995.
في البداية، كان المقصود من الدواء خدمة المجموعة من المرضى أنفسهم: مرضى السرطان في المراحل النهائية الذين يعانون ألما مستمرا.
وتظهر خطة تسويقية مبكرة لعام 1996، اطلعت عليها صحيفة "فاينانشيال تايمز"، أن شركة بيردو كانت تأمل في تحويل مرضى السرطان وأطباء الأورام من تعاطي عقار إم إس كونتين MS Contin إلى عقار أوكسيكونتين الأحدث – وهو تكتيك مشترك لشركات الأدوية التي تواجه انجراف براءة الاختراع.
كان من المتوقع أن تبلغ المبيعات في السنة الأولى 25 مليون دولار، بحيث تصعد في نهاية المطاف إلى نحو 100 مليون دولار في السنة.
لو لم يوصف "أوكسيكونتين" إلا لمرضى السرطان في المراحل النهائية، لما كان الإدمان مشكلة كبيرة. يعلم الأطباء منذ فترة طويلة أن بعض المرضى في المراحل النهائية يصبحون مدمنين على المواد الأفيونية في الأسابيع الأخيرة، لكن النظرية هي أن هذا لا يهم كثيرا إذا كانوا سيموتون.
ومع ذلك، بين عامي 1996 و2002، غيرت شركة بيردو استراتيجيتها التجارية بشكل عجيب، وبدأت في ترويج "أوكسيكونتين" كمسكن للألم لمجموعة من الأمراض الشائعة. في خطابه عام 2000، أوضح الدكتور ريتشارد أن التوسع الكبير في سوق المواد الأفيونية هو أساس لنجاح الشركة "ومعها الثروات التي تدفقت إليه وإلى أسرته".
قال للحضور: "حدث شيء جديد في عام 1995، عندما تم تقديم أقراص أوكسيكونتين. وسعت أقراص أوكسيكونتين نطاق المرضى الذين يمكن علاجهم بنجاح لتسكين الألم المتوسط إلى الشديد - مهما كان منشأه".
سرد الدكتور ريتشارد قائمة من الحالات التي يمكن علاجها باستخدام "أوكسيكونتين"، بما في ذلك التهاب المفاصل وآلام الظهر والهربس النطاقي وضعف الدورة الدموية والألم بعد الجراحة.
وتظهر الوثائق الداخلية أن الشركة غيرت استراتيجيتها للتأكد من أن المواد الأفيونية تستخدم على نطاق أوسع.
في عام 1996، استهدفت معظم جهود شركة بيردو التسويقية 27 ألف ممرض وممرضة في علم الأورام يعملون في المستشفيات، ودور العجزة، ودور المرضى. بحلول عام 2002، كان مندوبو المبيعات يستهدفون 160 ألف طبيب من جميع فروع الطب، بما في ذلك الأطباء العامون وإخصائيو العظام وطب الأعصاب وأمراض النساء.
وقال ريتشارد أمام جمهوره: "لدينا كثير من العمل الذي ينتظرنا... أقراص أوكسيكونتين لم تستنفد مسارها بأي شكل من الأشكال".
وذلك قبل أن يختتم كلمته بحث مندوبي مبيعات الشركة "لإعادة تكريس أنفسهم باستمرار" لزيادة مبيعات الدواء. لم تقع دعوته على آذان صماء: بحلول عام 2010، ارتفعت الإيرادات السنوية للدواء إلى ثلاثة مليارات دولار سنويا.
في الوقت الذي غمر فيه عقار أوكسيكونتين أمريكا – مع أكثر من 51 مليون وصفة كتبت بين عامي 2006 و2015 – أصبح المرضى الذين يستحقون الدواء مدمنين على مسكن الألم.
في الوقت نفسه، اكتشف مستخدمو المخدرات الترويحية أنه يمكن أن يحصلوا على نشوة عالية من الدواء، عن طريق سحق الدواء واستنشاقه بالأنف أو غليه في سائل وحقنه، ما يسمح لهم بالحصول على 12 ساعة كاملة من الدواء في جرعة واحدة.
تدعي شركة بيردو دائما أنها لم تكن على دراية بإساءة استخدام "أوكسيكونتين" حتى عام 2000، لكن الشركة تلقت تقارير بأن أدويتها الأفيونية كانت تتعرض لإساءة في استعمالها في وقت مبكر يعود إلى عام 1996، بعد وقت قصير من إطلاق الدواء، وذلك وفقا لتقرير صادر عن وزارة العدل.
في الواقع، لم تكن الشركة على دراية بخطر الإدمان فحسب، بل حاولت أيضا التقليل من المخاطر لتحمي المبيعات.
في عام 1999، على سبيل المثال، استخدمت شركة بيردو مجلتها الداخلية لتكيل الثناء على مندوبة للمبيعات في هاواي، أقنعت صيدلانيا متشككا بأن يبدأ بصرف عقار أوكسيكونتين.
في البداية، "رفض الصيدلي صرف الوصفات (الأفيونية)" التي كانت لعلاج شكاوى الآلام المزمنة مثل آلام الظهر والتهاب المفاصل، لأنه كان "قلقا من أن إدمان المخدرات في الجزيرة قد خرج عن السيطرة".
في النهاية، تمكنت مندوبة المبيعات من إقناع الصيدلي بتغيير رأيه. وبحسب ما أوردته المجلة، التي تم الاطلاع على نسخة منها من قبل صحيفة "فاينانشيال تايمز"، "تمكنت المندوبة من الكشف بنجاح عن حاجز الإدمان - التحويل كقضية رئيسة مع هذا الصيدلي".
عوقبت شركة بيردو مرة من قبل بسبب الطريقة التي استخدمتها في تسويق عقار أوكسيكونتين. في عام 2007، اعترفت الشركة بالذنب في تهم جنائية تفيد بأنها ضللت الأطباء والمرضى فيما يتعلق بمخاطر الإدمان، ودفعت غرامة بقيمة 600 مليون دولار. كبار التنفيذيين الثلاثة في الشركة، الذين اعترفوا بالغش في خصائص العلامة التجارية، نجوا من عقوبة السجن، لكنهم أرغموا على التقاعد والخروج من حياة الشركات.
الصفقة المبرمة بين المدعين العامين في الولايات المتحدة وشركة بيردو، التي تعد على نطاق واسع بأنها متساهلة أكثر من اللازم مع الشركة، تمت بوساطة رودي جولياني، الذي يعمل الآن كأحد كبار مساعدي الرئيس دونالد ترمب، وكان سابقا عمدة لمدينة نيويورك، وتم توظيفه مستشارا لشركة الدواء في عام 2002.
قال جولياني في مذكرة داخلية تم تداولها بعد تعيينه، التي اطلعت عليها صحيفة "فايننشيال تايمز": "أنا من أشد المعجبين بجميع الأشخاص الذين قابلتهم في شركة بيردو، وبالتزام الشركة بتقديم الدعم لإدارة الألم في الوقت الذي تحارب فيه التلاعب في وصف الدواء. قلة من المنظمات هي التي هبت بكل استعداد وبسرعة لمعالجة مشكلة في الصحة العامة ليست من صنع أيديها".
تجنب الدكتور ريتشارد الانعكاسات الشخصية عندما اعترفت الشركة بالذنب عام 2007. لقد استقال من منصبه كرئيس لشركة بيردو في عام 2003، عندما كان التحقيق الفيدرالي في الشركة لا يزال جاريا، وتخلى جميع أفراد عائلة ساكلر الآخرون أيضا عن مناصبهم التنفيذية.
مع ذلك، لا يزال الدكتور ريتشارد وغيره من أفراد الأسرة يتمتعون بصلاحيات كبيرة، من خلال أدوارهم كأعضاء غير تنفيذيين في مجلس الإدارة. وما إذا كانوا سيدفعون الثمن شخصيا هذه المرة، فهذا يعتمد على الدرجة التي يستطيع من خلالها أن يثبت المسؤولون ومحاموهم أنهم مستمرون في توجيه دفة الأمور، بعد ابتعادهم الظاهري عن الإدارة اليومية لأعمال الشركة.
يقول جيسون هالبر، الرئيس المشارك للفريق العالمي للتقاضي في "كادوالادر": "عادة، من الصعب جدا تحصيل أموال حقيقية من الأفراد"، مستشهدا بحقيقة أنه لم يتم تغريم أو سجن أي من كبار التنفيذيين المصرفيين خلال الأزمة المالية في عام 2008.
ويقول هالبر إنه حتى مع أن سبعة أفراد من عائلة ساكلر لا يزالون أعضاء في مجلس إدارة شركة بيردو، إلا أن الأعضاء لديهم "مستوى من الابتعاد" حين يتعلق الأمر بالمسؤولية القانونية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES