وهم السيطرة في حيازة مهارات التفكير

|
كانت خبرة المدير قوية جدا ولكنها لا تغطي كل التفاصيل، وهذا متوقع. عندما شارك الفريق معه أحد التحديات، لم يملك المدير بجانب حنكته "المتوقعة" وخبراته "المسموع عنها" أيا من التالي: تفاصيل المشكلة الفعلية، الخلفية الثقافية للتحدي وسمات التأثيرات المحيطة به، وأي معلومات محدثة عن أفضل الممارسات ذات العلاقة، ومع ذلك اتخذ القرار في ثوان. يغرق كثير من المديرين والمسؤولين في مشكلاتهم، ثم يشعرون ـــ وبإحساس مخادع ــــ بالسيطرة. تكمن المصيبة في أن معظم ما يشعرون به غير حقيقي ولا يشكل سيطرة فعلية على سياق أو ظروف تلك المشكلات. ما يحدث لاحقا هو أن أسلوب معالجة تلك المشكلات يبنى على أسباب غير منطقية وخطوات غير ملائمة. لذا يأتي صانع القرار بقرار غير سليم، والمدير يسيء إدارة الموارد المتاحة له، والمسؤول يتحمل مسؤوليته في نطاق ما يرى في تلك اللحظة، فإذا ابتعد أو استقال ظهرت الفضائح. لا يمكننا القول إن المسألة سهلة أو إنها أخطاء بسيطة يجب ألا يقع فيها الشخص المسؤول. يعرف وهم السيطرة بأنه إحساس السيطرة على واقع معين على الرغم من أننا لا نملك قدرة التأثير عليه. وهذا فعليا ما يحدث عندما نفقد قدرتنا على التأثير، ولا تأثير بدون علاقة، ولا علاقة دون فهم مشترك وقبول. وبعد الفهم المشترك والقبول بين الأطراف، يأتي فهم الواقع وظروفه بكل ما فيه من عناصر وأشياء وسياقات، كلما تحسن فهمنا كلما تحسنت قدرتنا على التأثير، وحينها فقط تصبح السيطرة ممكنة. وهذا لا يشمل ما يفعله بعض المديرين حين يقفز برأيه الأحادي ضد أفضل الممارسات، أو يحتد بموافقة ضد آراء زملائه الذين يعملون في الصف الأمامي أو خلف الكواليس ويرون الحقيقة وهي أقرب ما تكون إلى الواقع. لا نستطيع المراهنة على مدير يقفز فوق الملخصات الشفهية ويقاطعها قبل إتمامها، أو تصديق ذكائه اللماح وهو لا يقرأ المستندات ولا يتفحصها ولا يعرف الحقيقة المكتوبة في أبسط صورها. يتسم القادة وصناع القرار الحقيقيون بالسعي المستمر، الذي يمكنهم من الوصول إلى مرحلة "إدراك الحقيقة"، وهم بذلك يسيطرون جيدا على بعض المهارات المهمة التي تمكنهم من ذلك. هناك من يجيد قراءة الأحداث على خط الزمن ويربط بينها بأناقة بعد أن يستوعبها جيدا ويحترف الربط والتنسيق بين التجربة والأخرى، محللا للفوارق ومبينا للمتشابهات. وهناك من يجيد قراءة التجارب المتماثلة ليحولها إلى نموذج موحد فعال يستطيع الاسترشاد به في معظم المواقف التي يمر بها. وهناك من يحترف البحث التفحصي السريع حتى يخيل لك أنه ينفذ مشروعا بحثيا متكاملا لإدراك التفاصيل والتعقيدات وفهمها، ولكنه يقوم بذلك بخفة ورشاقة. وهناك المنطقي الذي يربط بين السبب والنتيجة ويعالج الأمور بعد تشريحها حسب المرحلة التي تكون فيها. وبالتأكيد هناك المدير المظفر الذي يجمع شيئا من كل ما سبق، يحسن الرؤية قبل القفز ويعرف مسالك الصيد إذا احتاج إليها ولا يقع ـــ بكل تأكيد ـــ في مطب "وهم السيطرة". ننال كثيرا من الخسائر بسبب وهم السيطرة أو بسبب اقترابنا ممن يعانونه. إذا كنا نعاني هذا الوهم فالعلاج يكون بالاعتراف بالمشكلة والعمل على حلها خطوة بخطوة، وذلك باحترام الواقع وفهم التفاصيل والحكم بعد التحليل والابتعاد عن التحيزات، وهذا يعني حيازة مهارات التفكير والتواصل التي تمكنا من ذلك. أما إن كنا نعاني بسبب اقترابنا ممن يعانون وهم السيطرة، فالمشكلة ليست بسيطة. لأن من يعاني هذه الخصال يجمعها على الأرجح مع بعض النرجسية أو الجهل، أو كلاهما معا. فيخرج لنا متعجرفا بحدة تجعل محاولة إقناعه والاعتراف بالمشكلة مهمة مستحيلة، ولا حل دون اعتراف. قبل النظر في آخر الحلول، وهو الهرب من مثل هؤلاء وإخراجهم من دوائرنا بأي تكلفة كانت، أنصح بالتروي ومحاولة استخدام الأساليب غير المباشرة للفت الانتباه، في النهاية لكل ضباب شمس تزيله وكل واهم سيكتشف الحقيقة عاجلا أو آجلا.
إنشرها