ثقافة وفنون

علي أومليل: الأفكار مهاجرة والعقول لا عرق لها

في لحظة غير مسبوقة على مستوى منسوب المخاطر وقوة التحديات، تفرض الضرورة الإنصات إلى أسماء اختارت الاشتغال في صمت؛ بعيدا عن ضغط الراهن اليومي وضوضاء الإعلام، بحثا عن حلول لما يحدق بنا من مخاطر، وأجوبة لركام من الأسئلة اللامتناهية في واقع توليدي للسؤال بامتياز، أو على الأقل تشخيص الوضع تشخيصا يفضي إلى كشف الأعطاب التي تحاصرنا.
يعتبر المفكر علي أومليل واحدا ممن تحتم الأوضاع المتفاقمة في أوطاننا العودة إلى كتاباتهم، بحثا عن مداخل للفهم والاستيعاب، على الرغم من قلة إنتاجات الرجل. فوفق المعيار الكمي في التصنيف؛ اعتمادا على الوزن الصافي لحجم المداد المسال، يكون أومليل في عداد الطبقة السفلى من المثقفين. إذ لا تكاد مؤلفاته تتجاوز عشرة كتب، على مدار أكثر من أربعة عقود. لكن معيار جدية الطرح وأصالة الإنتاج وفرادة المنهج يرفع الرجل إلى أعلى المقامات، فمساره البحثي لم يحد عن القضايا الكبرى للعرب؛ الإصلاح السياسي والثقافي، ومفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة والديمقراطية، وإشكاليات التراث، وأعطاب دولة ما بعد الاستقلال، إلى غير ذلك من القضايا التي تشهد مدا وجزرا بحسب السياقات.
وفق التحقيب الزمني، ينتمي هذا المفكر إلى الرعيل الأول من الأكاديميين الذين أسسوا للدرس الفلسفي في المغرب، بعد حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون (1977) عن "الخطاب التاريخي: دراسة لمنهجية ابن خلدون". بحث مكنه من امتلاك ناصية أدوات التحليل والتفكيك، مستفيدا من صخب الساحة الفكرية الفرنسية ذات زمن سبعيني.
يعد صاحب "الإصلاحية العربية" من القلائل الذين يعبرون عن مواقفهم مهما كانت مكلفة وصادمة للغير، ففي زمن الانتشاء عربيا بمفهوم "العقل العربي"، انبرى الرجل للقول إنها "عبارة فارغة بلا معنى". لا بل يضيف أنها قد تدفعنا إلى "التفكير في إمكانية وجود عقليات عرقية، بعضها ينتج الحضارة والحداثة، وبعضها عاجز إلى الأبد".
وعن الموقف من التراث؛ الذي خص مسائله بكتاب "في التراث والتجاوز"، يرى أن التراثيين صنفان: صنف أول يعتبر التراث كمغارة علي بابا، يلجأ إليها كلما ضاقت به السبل وزاحمته الأسئلة التي لا يجد لها جوابا. وصنف ثان يريد أن يكون حداثيا وتقدميا، فيعمد إلى لي عنق التراث قصد تحميله ما لا يحتمل. فصير مثل محل للخردة؛ نجد فيه أشياء حديثة الصنع إلى جانب بضائع عمرها مئات السنين.
لا يقبل صاحب "سؤال الثقافة" التبريرات التي سيقت في معرض الدفاع عن الثنائية المزعومة "المشرق الشاعر" و"المغرب المفكر"، فالحضور القوي للفلسفة في المغرب الكبير مقارنة بالمشرق لا يمكن تفسيره؛ بشكل سطحي وفج، بكون مفكري المغرب أحفادا لابن خلدون، لأن المسألة أبعد من أن تكون وراثية. لكن في المقابل، هناك عوامل موضوعية يمكنها المساهمة في ذلك، منها التكوين الفلسفي المبكر في المدارس منذ المرحلة الثانوية. إضافة إلى الوجود المبكر لأرضية صلبة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط التي تأسست في العشرينيات كمعهد عال للدراسات.
ربما يفيدنا كتاب "في شرعية الاختلاف"، في فهم التحولات المتسارعة للوضع الإقليمي العربي، والانهيار السريع لبنيان "الدولة الوطنية" عربيا؛ أو بتعبير أدق دولة ما بعد الاستعمار، لافتقاد هذه الكيانات إلى مقومات الدولة الوطنية الحقة. كان مدار الكتاب هو الجواب عنسؤال كيف نبني ديمقراطية وليس لدينا ثقافة الاختلاف التي تعد أساسا للحوار؟
أسهم غياب هذه الثقافة بشكل كبير جدا فيما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية؛ بعد حراك الشعوب. فلا مستقبل لديمقراطية لا تقر بالحق في الاختلاف، وأنّى لها أن تتحقق في ظل الصراعات الطائفية والمذهبية والنظام القبلي في العالم العربي؟
أسهم المنطق التجزيئي في ولادة مشوهة لكل مبادئ وقيم الحداثة والتنوير في الوطن العربي، فإلى جانب طمس حق الاختلاف، لقيت قيمة الحرية ذات المصير، فتحمسنا لها عربيا في الاقتصاد والسوق؛ حرية المبادرة الاقتصادية. لكن تصدينا لأخواتها في باقي المجالات؛ الحرية السياسية وحرية الرأي والمعتقد وحرية الصحافة.
بذلك وأشياء أخرى، كانت المحصلة فشل فكرة الإصلاح في الوطن العربي، فبعد المحاولة الأولى بعد خروج الاستعمار، جاءت المحاولة الثانية مع ربيع العرب في 2011، غير أن النتيجة كانت واحدة، لأن المشكل؛ رغم أنف الجاحدين، اجتماعي وثقافي بنفس درجة كونه سياسي واقتصادي.
إن الحاجة ماسة في السياق العربي الراهن، يقول أومليل في كتاب "أفكار مهاجرة"؛ الذي حاول فيه تأطير تبلور المفاهيم التي اشتغل عليها في مساره البحثي داخل موطنها الأصلي، والبحث في هجرتها وكيفية تلقيها وتأويلها في بلد الاستقبال، وأيضا الأسباب الكامنة وراء استعمالها في غير مقاصدها الأصلية، إلى تأسيس "لفكر سياسي عربي حديث" بسبب غياب "الفكر السياسي في تراثنا الفلسفي القديم" لوضع حد لسوء الفهم النخبوي لما يجري وكارثية التحولات.
إننا اليوم أمام انهيار الكيانات الدولية، وسطوة الإرهاب، وتهديد الحق الشخصي في الأمن. وكلها عوامل تجعل الطلب على الدولة الأمنية يتقدم على الطلب على الدولة الديمقراطية. ضمن هذا الأفق، يدعونا أومليل إلى استعادة فكرة الإصلاح الديني التي يعترف بأنها دعوة قديمة، يحتفظ بها سجل الفكر العربي المعاصر منذ قرنين على الأقل، لكنه يؤكد أن الدوافع اليوم مختلفة وأكثر حيوية أمام غلو المتشددين وتنامي ظاهرة الإرهاب الذي ترتبط أسبابه أساسا بالثقافة الدينية، وبطبيعة الأوضاع الاجتماعية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون