FINANCIAL TIMES

قمر السويد .. أين الوجه المضيء من الوجه المعتم؟

تصور السويد نفسها على أنها قوة عظمى في مجال الإنسانية، خاصة بعد التعافي من الأزمة المالية العالمية، والتمتع بمعدل بطالة منخفض، وسمعة طاغية باعتبارها واحدة من أفضل المبتكرين في أوروبا.
إلا أن من المرجح أن يكون الأجانب عاطلين عن العمل بمعدل ثلاثة أضعاف معدل السكان المحليين، وهناك تقارير منتظمة حول حوادث إطلاق نار مميتة وهجمات بالقنابل اليدوية: في الشهر الماضي فحسب، استخدمت عصابات من الشبان الملثمين زجاجات مولوتوف حارقة لإشعال النار في السيارات.
لنطلق عليها السويد الجيدة، والسويد السيئة – وهي معضلة تم بحثها في كتاب نشر حديثا بذلك الاسم من تأليف بول راباسيولي. هل يمثل لهذا البلد الشمالي طرح قصة نجاح يمكن الاحتذاء بها أم قصة تحذيرية؟
في الوقت الذي أشاد فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالنموذج السويدي مطلقا عليه لقب "مصدر إلهام حقيقي"، استخدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كمثال على مخاطر الهجرة.
ليس هناك مكان لتوضيح الشرخ في المجتمع السويدي أفضل من مدينة جوتنبيرج المزدهرة والمنقسمة. قالت آنا - صوفي هيرمانسون، عمدة مدينة جوتنبيرج من يسار الوسط: "هناك نمو رائع، ومعدل البطالة آخذ في الانخفاض، وجميع شركاتنا ذات أداء جيد، ونحن نقوم ببناء كثير من المساكن والبنى التحتية. هذه هي قصة نجاح جوتنبيرج".
وأضافت بأن هناك قصة أخرى أيضا: "هي في الحقيقة مدينة تعاني الانقسام. وانعدام المساواة يوجد أيضا اضطرابات اجتماعية ونشاطات إجرامية ويؤدي إلى وجود متطرفين".
وصل هذا الجدل إلى مرحلة مهمة بالنسبة للسويد، قبيل إجراء الانتخابات الحاسمة المقررة في التاسع من أيلول (سبتمبر)، ولربما تسبب الارتفاع في تأييد حزب الديمقراطيين السويديين المناهض للهجرة، في أن يسجل حزب الديمقراطيين الاجتماعيين الحاكم، واحدة من أسوأ نتائجه على الإطلاق، خصوصا في جوتنبيرج، حيث يمكن أن يأتي في مرتبة رابعة مهينة لم يسبق لها مثيل. سافر مندوب صحيفة "فاينانشيال تايمز" إلى ثاني أكبر مدينة في السويد لاستكشاف هذا التباين الحاد في المستويات والتحديات التي تنتظر هذا البلد الشمالي، حيث استقل قطارا من المركز إلى واحدة من ضواحي جوتنبيرج المضطربة.

مركز المدينة: انتعاش الاقتصاد
مود، الممرضة التي تبلغ من العمر 64 عاما، استيقظت بعد مناوبة ليلية، وتشتري النقانق من متجر لحم راق في سالوهال، سوق الطعام المركزي الصاخب في جوتنبيرج.
وقالت إن الحياة جيدة في جوتنبيرج. وقد زاد سعر شقتها التي تقع في وسط المدينة بمقدار ستة أضعاف منذ أن اشترتها قبل ثلاثة عقود.
وأضافت، وهي تحمل أيضا على ذراعها حقيبة من متجر ماريمكو الراقي: "نستطيع أن نشتري أشياء جميلة".
في الخارج في فالجاتان، أحد شوارع التسوق الرئيسة في المدينة، كان أولوف ليندبلوم، رجل الإطفاء الذي يبلغ من العمر 30 عاما، يقوم بالتسوق لشراء حذاء.
وقال: "أداء الاقتصاد جيد في كل أنحاء السويد. الجميع لديهم سيارات لطيفة، والكل لديه بيت جيد". تمتع هذا البلد الإسكندنافي، الذي يبلغ عدد سكانه عشرة ملايين نسمة، بانتعاش بعد الأزمة المالية أقوى من أي بلد غربي كبير آخر، بشكل أسرع حتى من الولايات المتحدة، وقد كان اقتصاده متينا منذ ذلك الحين، حيث إنه يستفيد من المالية العامة القوية تاريخيا والدين الحكومي المنخفض.
انخفض معدل البطالة إلى أعلى من 6 في المائة بقليل، على الرغم من أن حكومة الديمقراطيين الاجتماعيين قصرت عن تحقيق هدفها المتمثل في الوصول إلى أدنى معدل في الاتحاد الأوروبي "لدى جمهورية التشيك معدل بنسبة 2.2 في المائة فقط".
أعمال الإنشاء آخذة في الازدهار، مع تحول أجزاء كبيرة من وسط جوتنبيرج إلى موقع بناء بعد أن بدأت المدينة في بناء قنوات جديدة وجسور، وكثير من العقارات التجارية والسكنية.
المناطق التي كانت في الماضي مليئة بالصناعات الثقيلة وأحواض السفن يجري تحويلها الآن إلى مساكن ومكاتب حديثة. والجدل الذي أثير حول مشروع مكلف لإنشاء خط جديد للسكة الحديدية تحت الأرض في وسط المدينة، ما أدى إلى تشكيل حزب محلي جديد، هو حزب الديمقراطيين، وهي جماعة من الوسط تقود الآن استطلاعات الرأي.
في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المساكن في جوتنبيرج بنسبة 80 في المائة خلال العقد الماضي، إلا أن مستويات الديون لدى الأسر في السويد هي من بين أعلى المستويات في العالم.
لا يزال نمو الأجور منخفضا وتشتكي مود من أنه من الصعب على أبنائها شراء منزل، خاصة هنا في وسط المدينة.

أورجريت - هارلاندا: قلب الصناعات التحويلية
ليست الشركات التي تبيع المنتجات للناس العاديين هي الآخذة في الازدهار فحسب، بل إن الشركات الكبرى الكثيرة في جوتنبيرج تزدهر أيضا.
من بينها شركة مولنليك للرعاية الصحية، وهي شركة لتصنيع نوع من الضمادات يدعى ميبليكس بوردر فليكس يستخدم في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى للجروح المزمنة. هذه اللصقة المكونة من خمس طبقات، التي تدوم مرتين أطول من المنتجات التقليدية، تم تطويرها في مقر شركة مولنليك غير البارز في أورجريت - هارلاندا.
هذه المنطقة من جوتنبيرج تقع بالقرب من البلدة القديمة، حيث تم بناء المدينة لأول مرة منذ أكثر من 500 عام مضى. الآن، تظهر مبان جديدة في كل مكان بعد أعمال التجديد في المنطقة.
شركة مولنليك، التي تعود ملكيتها لأداة الاستثمار الخاصة لدى أبرز شركة مملوكة للعائلات في السويد، أسرة فالينبيرج، تحقق نصف مبيعاتها في الولايات المتحدة، لكن جميع أعمال البحوث والتطوير تجري في السويد.
ريتشارد توومي، الرئيس التنفيذي للشركة الذي ولد في ويلز، شهادة على القوة الكبيرة التي تحظى بها الشركات في السويد.
هو رجل مهووس بالتزلج، استبدل وظيفة في كاليفورنيا ليحصل على عمل آخر في الساحل الغربي العاصف في السويد، حيث جمال المنطقة أقل إثارة للإعجاب بكثير. مع ذلك، يقوم بممارسة هوايته بقدر ما يستطيع. وأضاف قائلا: "علي أن أجد الوقت لأمارس هذه الهواية حتى أحافظ على اتزاني".
مصدر الجذب الكبير بالنسبة له كان التركيز طويل الأمد لأسرة فالينبيرج، التي دخلت جيلها الخامس وقدمت نحو ثلاثة مليارات دولار للبحوث العلمية السويدية على مدى القرن الماضي.
من خلال القوة العاملة التي تتمتع بثقافة كبيرة، ووسائل النقل العام اللائقة والقرب من كل من البحر والطبيعة، اختار العيش في جوتنبيرج. يتساءل قائلا: "كم عدد المدن القابلة للمقارنة، التي يعيش فيها 400 ألف نسمة ولديهم سيارات فولفو وشركة إس كيه إف؟"
"إس كيه إف" واحدة من أكبر الأسماء في الصناعة السويدية، لديها مصنع خاص بها في مكان قريب تماما. وهي واحدة من أكبر شركات صناعة محامل الكريات ومصنعها معبد للكفاءة الصناعية الحديثة، مع وجود روبوتات تنفذ معظم الأعمال.
ولا تزال الشركة توظف نحو ثلاثة آلاف عامل في السويد، وتحقق نحو تسعة مليارات دولار من المبيعات سنويا.
التطورات التكنولوجية تجعل جوتنبيرج والسويد قادرتين على المنافسة عالميا، بحسب ما قال ألريك دانيالسون، الرئيس التنفيذي.
على أرض المصنع، من الشائع أكثر أن نرى روبوتا أو آلة تعمل بدل الإنسان. كما أشاد بنقابات العمال كونها تؤدي دورها في نموذج الأعمال القائم على التراضي في السويد، ويعتقد أن العمال ذوي المهارات العالية والخبرة التكنولوجية في السويد، إضافة إلى الفرص التي يقدمها إنترنت الأشياء، يمكنهم تغيير طبيعة الأعمال المحلية.
وقال: "إذا تمكنا من تأدية الدور بالشكل الصحيح في السويد، يمكن أن نحظى بطفرة صناعية ثانية".

أوسترا جوتبورج: تحدي التكامل
مساعدة السويديين والمهاجرين في اكتساب المهارات اللازمة لمكان العمل هي في ذهن مدير المدرسة يوهانس ليتشه. بمجرد أن يعبر من الباب الأمامي لمدرسة براندسترومسكا في أوسترا جوتبورج، يحصل على عناق من تلميذ في السنة الأولى ويحييه بصوت جميل "أهلا أيها المدير".
مع وجود 350 طالبا بين عمر السنة الواحدة في مرحلة ما قبل المدرسة وسن 16 عاما، فإن مدرسته تقع على الخط الأمامي للتكامل في جوتنبيرج.
وقال إن معظم طلاب المدرسة ولدوا في السويد، لكن من 70-80 في المائة منهم يتحدثون اللغة السويدية كلغة ثانية. ويصعد نحو 60 في المائة فحسب من الأطفال في سن 16 إلى مراحل تعليم أعلى، وهو معدل أدنى بكثير من المتوسط الوطني، بينما يخفق الباقون أو ينقطعون عن الدراسة. وقال إن النتائج في الاختبارات الوطنية تزداد سوءا مع تقدم الأطفال في العمر.
لا توجد إجابات بسيطة عن السبب وراء ذلك، لكن ليتشه ألقى باللوم جزئيا على الأطفال الذين يغيرون المدارس في الصف السادس أو السابع. وقال "إذا رحبتَ بهم في الصف السابع فسيكون لدى المدرسة طلاب فاشلون... في الأصل. ليس من السهل تغيير هذا".
التعليم هو مفتاح التكامل. غالبا ما تكون معدلات التوظيف المنخفضة بين المهاجرين من الجيل الأول أو الجيل الثاني دلالة على مستويات تعليم منخفضة، وفقا لخبراء سوق العمل.
تتمثل المهمة الرئيسة لمدرسة براندسترومسكا في ضمان أن يتقن طلابها اللغة السويدية. وأضاف ليتشه: "يتمثل التحدي في أن كثيرا من الأشياء ترتبط بالنجاح في اللغة السويدية. لدينا أيضا تحدي جعل الآباء أكثر انخراطا مع تعليم أطفالهم. كثير من الآباء يعانون تشويشا كبيرا – فهم لا يعرفون كيف يقدمون الدعم الجيد لأطفالهم". الأمر الذي يوضح المخاطر والتحديات التي يواجهها الطلاب في مدرسة براندسترومسكا يقع في منطقة قريبة، وهو مسجد بيلفيو، المعروف بصلاته بالمشتددين المدانين والمتطرفين المزعومين.
كثيرون هناك يعبرون بصراحة عن عدائهم لوسائل الإعلام، ويشتكون من أنها تنظر إلى الإسلام في المقام الأول من خلال منظور الإرهاب. قال مواطن باكستاني يعمل في شركة فولفو للسيارات، لكنه رفض الكشف عن اسمه: "هذا النوع من الصراعات الثقافية تحرض عليه وسائل الإعلام. هذا ليس جيدا للمجتمع. أنا لا أؤيد أي نوع من التطرف. المهاجرون (الجدد) يتحملون مسؤولية الاندماج في المجتمع".
وعلى الرغم من أنه حاصل على درجة الماجستير، إلا أنه يجد من الصعب الحصول على وظيفة. وقد أرسل أكثر من 100 سيرة ذاتية لكنه لم يتلق أجوبة. وقال: "في السويد، لديهم ثقافة خاصة للغاية. أنشأوا مجتمعا متجانسا للغاية. وليس من السهل أن تكون جزءا من ذلك المجتمع المتجانس".

ضاحية آنجيريد: محرومة ومعزولة
في نهاية خط الترام، على بعد 12 كيلومترا من محطة جوتنبيرج المركزية، تقع آنجيريد، واحدة من أسوأ الضواحي شهرة في السويد. لقد تم تصميمها في الستينيات باعتبارها الرد الأوروبي على برازيليا، عاصمة البرازيل ذات الطابع الحداثي، وكانت جزءا من برنامج المليون التابع للحكومة آنذاك، وهي خطة لبناء مليون منزل جديد في جميع أنحاء السويد خلال عقد من الزمان.
تركت آنجيريد معزولة جغرافيا، وهي مفصولة عن جوتنبيرج بغابة كثيفة، ربما نتيجة لتوقعات مفرطة في التفاؤل بشأن مدى امتداد المدينة. كما أصبح السكان معزولين بالجنسية، حيث أصبح المهاجرون يتبعون بعضهم بعضا بشكل متزايد في مشاريع الإسكان التي لا تحصى الآن في آنجيريد.
من بين الذين ولدوا في هيالبو، وهي منطقة في آنجيريد، ثلاثة أرباعهم لديهم خلفية أجنبية. هذا مقارنة بنسبة 50 في المائة قبل عقدين، و6.5 في المائة في جميع السويد.
ما يعمق من الإحساس بالعزلة الثقافية والاجتماعية هو سمعة الضاحية المعروفة بالجريمة والعنف. ناوول وحمدي، مراهقتان صوماليتان ترتديان الحجاب، تعبران عن قلقهما حيال العيش في حي طالما اتسم بأنه حي فقير معزول.
قالت ناوول، 19 عاما: "أنا لا أحب العيش في آنجيريد. كثير من الناس يقومون بأشياء سيئة". وأضافت حمدي: "هناك كثير من أفراد العصابات".
هذه لازمة شائعة. خارج متجر لبيع المواد الغذائية في منطقة هامركولن، قال أحمد، وهو شاب في الـ15 من عمره وأسرته من إيران: "لا يحدث شيء ثقيل هنا. إنه مجرد الجرائم العادية – المخدرات. إذا عبثت مع أحدهم، فإنهم جميعا ينقضون عليك".
كانت هيالبو واحدة من عدة مناطق في جوتنبيرج وحولها، حيث أشعلت النيران في عشرات السيارات من قبل مجموعات من الشباب باستخدام زجاجات مولوتوف في آب (أغسطس) الماضي. ربما يكون أكبر تحد للاندماج هو العمل. ففي جاردستين المجاورة، كان معدل البطالة 26.5 في المائة في عام 2016 "وهو العام الأخير الذي توجد فيه إحصاءات كاملة"، وهو أعلى بنحو أربع مرات عن المتوسط الوطني.
باتريشيا أنسيلمو هي مديرة وكالة التوظيف المحلية، حيث تم تسجيل 11300 باحث عن عمل. وهم يأتون من 89 دولة مختلفة ويتحدثون 102 لغة مختلفة. وقالت: "التحدي بالنسبة لنا ليس البلد الذي جئت منه؛ التحدي هو ما لديك لتلبي مطالب السوق".
زميلها، مسؤول التوظيف كينت لارسون، قال إنه حتى وظائف التنظيف، التي كانت في الماضي ملجأ ذوي المهارات المنخفضة، تتطلب الآن رخصة قيادة حتى يتمكنوا من تنظيف مواقع متعددة، إضافة إلى مهارات جيدة في اللغة السويدية من أجل خلط المواد الكيميائية بشكل صحيح.
وأضاف: "إنها مهنة متخصصة إلى حد ما في هذه الأيام".
وقال بوس ليو، وهو مسؤول توظيف، إنه تحد عميق. وأضاف: "نحن نحاول كل يوم. بعض الأشياء جيدة، وتكتشف أن بعضها سيء".
في قاعة المدينة في المركز، لخصت هيرمانسون ما هو على المحك بالنسبة لكل من جوتنبيرج والسويد.
وقالت: "كانت السويد ساذجة نوعا ما، فهي ليست مثل الضواحي الباريسية، لكن إذا لم نتصرف الآن فمن الممكن أن يتطور الوضع في ذلك الاتجاه. إذا لم نعمل على حل ذلك، عندها فإن قصة نجاح جوتنبيرج، ستذهب أدراج الرياح".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES