من الخاسر الأكبر من اتفاقية بحر قزوين؟

|
في زمن ما قبل انفراط عقد الاتحاد السوفييتي كان الخلاف حول بحر قزوين محصورا بين موسكو وطهران، لكن كان التعاون قائما بينهما حول تنظيم أمور الملاحة والعبور والصيد واستغلال ثروات البحر طبقا للمعاهدة السوفييتية - الإيرانية لعام 1940. أما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، فقد دخل في الخلاف كل الدول حديثة الاستقلال من تلك المتشاطئة لهذا البحر المغلق مثل روسيا الاتحادية وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان، علما بأن أهمية بحر قزوين، الذي يبلغ أقصى طول له 1200 كيلومتر، وأقصى عرض له 300 كيلومتر مع عمق أقصاه 1023 مترا، لا تكمن فقط في موقعه الاستراتيجي والأمني، إنما تكمن أيضا في ثرواته الهائلة من النفط والغاز "200 مليار من النفط وأكثر من 200 تريليون متر مكعب من الغاز، بحسب وكالة الطاقة الأمريكية"، علاوة على ثرواته من الأسماك والكافيار "يصل سعر الكيلوجرام الواحد من الكافيار إلى 25 ألف دولار أمريكي". ولهذا السبب لم يكن غريبا تنافس أطرافه الخمسة عليه ودخولهم في مفاوضات عسيرة خصصت لها خمسة مؤتمرات على مستوى القمة خلال السنوات الـ 22 الماضية، كان آخرها المؤتمر الذي استضافته مدينة "أوكتاو" الكازاخية في آب (أغسطس) من العام الجاري. بدأ مؤتمر "أوكتاو" بجدل حول مسمى قزوين، أي هل هو بحر أم بحيرة؟ لأن التسمية في حد ذاتها تترتب عليها أوضاع قانونية معينة طبقا لقانون البحار الأممي. إذ إن وصفها بالبحيرة يتيح لجميع الدول المطلة عليها تقاسم ثرواتها فيما بينها، بغض النظر عن موقع تلك الثروات، بينما إذا تم وصفها بالبحر، فإن كل دولة مطلة ستستسفيد فقط من الثروات التي تقع داخل نصيبها من المياه الاقتصادية. ولأن رأي الدول الخمس استقر على أن قزوين بحر وليست بحيرة، فإن كازاخستان برزت كمنتصر أكبر لأن "حقل تنجير"، الذي يعد ثاني أكبر حقول النفط في العالم ويضم كميات هائلة من الغاز الطبيعي، يقع ضمن مياهها الاقتصادية. ثم ثارت - بطبيعة الحال - نقاشات حادة حول كيفية استغلال ثروات البحر وحقوق كل طرف من الأطراف في الملاحة والصيد، وترسيم قاع البحر، ومسائل أمنية مثل إبعاد كل القوى غير المتشاطئة للبحر عن استخدامه لأغراض عسكرية وغير ذلك. وفي نهاية المطاف توصل المجتمعون إلى تفاهمات شملت: عدم استخدام أراضي أي دولة مطلة على قزوين للإضرار بأمن الدول الأخرى الشريكة، والاتفاق على الاستخدام المشترك لسطح مياه قزوين مع تقسيم الطبقات السفلية وما تحت القاع إلى أقسام متجاورة متساوية وفقا للقانون الدولي، وإتمام عمليات الشحن والصيد والبحث العلمي ومد خطوط الأنابيب وفقا لقواعد متفق عليها عند إطلاق مشاريع بحرية كبيرة مع مراعاة الجوانب البيئية. وعلى الرغم من هذه التفاهمات المبدئية، التي أطلق عليها اسم "دستور قزوين" الضامن للأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة، فإن المراقبين يشكون كثيرا في نجاحها، وتجاوز الخلافات العميقة بين أطراف الاتفاقية، ولا سيما بين إيران وأذربيجان وتركمانستان، وهي دول جنوب حوض بحر قزوين التي تتنازع ملكية حقول نفطية مهمة، أي على العكس من أذربيجان وروسيا وكازاخستان التي قسمت بالتراضي ثروات الشطر الشمالي من قزوين. ولعل أكبر دليل على أن اتفاقية أوكتاو لم تحقق سوى قليل من الانفراج هو تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي قال فيه "إن الدول المطلة على بحر قزوين تمكنت من الوصول إلى حلول للقضايا المتعلقة بهذا البحر بنسبة 30 في المائة بعد إجراء مفاوضات فاقت الـ 20 عاما ولا تزال القضايا الأخرى عالقة وينبغي التوصل إلى حلول لها عبر الحوار والمفاوضات". وبما أننا أتينا على ذكر إيران، فإن زعماءها ومسؤوليها لطالما كانت لهم مواقف متشددة من قضية بحر قزوين. ففي وقت من الأوقات كانوا يطالبون بتقاسم البحر مناصفة بين إيران وبقية الدول المطلة عليه، ثم تراجعوا وطالبوا بخمس البحر، وبموجب التفاهمات الأخيرة يمكن أن تتقلص حصتهم إلى 13 في المائة، كما يمكن أن تؤدي إلى احتدام المنافسة بين إيران والدول الأخرى حول مد خطوط نقل الغاز والنفط في قاع قزوين. وبمعنى آخر، تخلت طهران في مؤتمر أوكتاو عما كانت تسميه حقوقها التاريخية في قزوين مضطرة، كما تخلت عن إصرارها على أن قزوين بحيرة وليس بحرا. كل هذا، كيلا تعيق سياسات وخطط حليفتها الروسية التي راهنت على نجاح مؤتمر أوكتاو والخروج منه كقوة مهيمنة، وبالتالي تعزيز نفوذ رئيسها فلاديمير بوتين داخليا وخارجيا. لكن في محاولة من الطغمة الحاكمة في طهران للخروج أمام شعبها بمظهر المنتصر من نتائج المؤتمر، لا الخاسر والمتخاذل، خرج حسن روحاني في وسائل الإعلام الإيرانية ليركز على أمر وحيد هو النجاح في تحويل حوض بحر قزوين إلى منطقة آمنة خالية من أي وجود عسكري أجنبي، أو كما قال حرفيا: "إن توقيع اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين أحبط خطط الولايات المتحدة وحلف الناتو لإرسال قواتهما العسكرية إلى هذه المنطقة". على أن الإيرانيين الواعين لتخبطات نظامهم الفقهي المهترئ عدوا كلام روحاني نوعا من التحايل وأعربوا عن غضبهم من الاتفاقية، بل شبهوها باتفاقية عام 1828 "المجحفة" بين إيران الشاهنشاهية وروسيا القيصرية حول البحر نفسه. وعلى الرغم من أن الصين ليست دولة مطلة على بحر قزوين، فإنها كانت تراقب مجريات ونتائج مؤتمر أوكتاو عن كثب. إذ قيل إن بكين نظرت إلى الدول المجتمعة كمجموعة رديفة لمنظمة شنغهاي، خصوصا أن روسيا وكازاخستان دولتان مؤسستان للمنظمة، وأذربيجان عضو مراقب، وإيران دولة مطالبة بالعضوية. كما قيل إن اهتمامات الصينيين مصدرها مشروعهم المعروف بـ "طريق الحرير"، الذي تحتل فيه دولة شاسعة المساحة وزاخرة بالموارد مثل كازاخستان مكانة محورية فيه.
إنشرها