هل تتوقف الدبلوماسية التقليدية أمام الدبلوماسية الشعبية؟ «1 من 2»

|
تشكل المفاهيم والعلاقات فيما بينها أساس أي حقل من حقول المعرفة، ولا سيما في مجال العلاقات الدولية، وتعد المفاهيم هي المستوى الأول في بناء أي نسق نظري، وتشكل مفاهيم العلاقات الدولية مكونا أساسيا في دراسة هذا المجال، حيث ينطلق من الوصف، ثم الفهم، مرورا بالتحليل والتفسير، وصولا إلى الاستشراف والتوجيه. وتعد بناء المفاهيم من الخطوات الخطرة والصعبة، حيث تجازف هذه الخطوة بالدفع إلى اختراق معرفي، جاعلة أساس المعرفة الدولية في شك دائم. نحاول في هذا المقال تسليط الضوء على مفهوم التربلوماسي كأسلوب انتقالي جديد في ممارسة العمل السياسي الدولي. ونطرحه على ثلاث مراحل، التطور المفاهيمي، أهمية التربلوماسي، وأمثلة على بعض ممارساتها في الشرق الأوسط. منذ عام 1800 أي منذ القرن الثامن عشر، وبزوغ مصطلح "دبلوماتيك" من اللغة الفرنسية، الشبيه بكلمة "أرستقراطيك"، تطورت مفاهيم الدبلوماسية، وطرق استخدامها مع عامل تطور العلاقات الدولية والأحداث بين الدول من جهة، وكذلك عامل تحول الدولة الداخلي، ومن هنا كان هناك عاملان موازيان يغيران في شكل المفهوم ودلالاته، وهما القوة، سواء قوة الدولة نفسها بشتى أنماطها، العسكرية، السياسية، الاقتصادية، أو مدى استيعاب النظام الدولي للعمل السياسي غير السياسي، ولا سيما مع المراسيل الذين يحملون الرسائل "دبلوم" ويقومون بإيصالها من أجل التفاوض. أو باستخدام الكلام والخطابة التي تعد مادة الدبلوماسية "الديبلوم" (الكلام المزدوج). تشكل الدبلوماسية قسما من المفاهيم التي تبدو واضحة ما دمنا نستعملها دون انتباه، التي تكون غامضة عندما نتفحصها عن قرب. وكما يشير المعجم الفرنسي للعلاقات الدولية، الذي يعبر عن الدبلوماسية بأنها الفن والطريقة لكل دولة بالتمثيل أمام الدولة الأخرى، والطريقة التي تدافع بها عبر الحوار السياسي عن مصالحها، وأن تتفاوض مع شركائها أو أعدائها، أو حلفائها، وأن يقترحوا حلولا للمشاكل الدولية. لم تقم الدبلوماسية التقليدية بعديد من الأمور الناجحة. إن إعطاءها الفرص وحرمانها من الوسائل يعنيان تجاهل طبيعتها واتهامها بالعجز أو الحكم عليها بالفضل. والجدل هنا في تساؤل كان مطروحا: هل ماتت الدبلوماسية، أو على الأقل الدبلوماسية التقليدية؟ في الواقع، إن هذه المسألة ليست مهمة بالقدر الذي نطرحه حول فاعلية ممارسة الدبلوماسيين فعلا بأدواتهم وطرقهم التقليدية، لحل مشاكل تتواجه وتتفاعل مع المجتمعات المدنية في كل يوم، وتزيد وتتعقد أدواتها، في وقت لا يوجد شخص أقل حرية في أقواله وتصرفاته من الدبلوماسي. وبانتقال الملكية الإقطاعية المتوازنة بين الملك والنبلاء والإكليروس، انطلق صوت المجتمع المدني من بين صفوف النبلاء الذين يشكلون الطبقة المهددة للنفوذ. وقد أسس هذا الصوت مونتسكيو، وهو تقليد آخر يجعل أسس التمدن تقوم على التوازن بين القوى التي تشكل الدولة أو بين السلطات. والأسبوع المقبل نواصل الحديث عن مضمون هذا الموضوع الذي طرحاناه خلال حلقة اليوم.
إنشرها