استراتيجية الطاقة الشمسية والأهمية العالمية

|
غني عن القول إن السعودية تعد أكبر منتجي العالم لأهم سلعة عالمية وهي النفط، ليس هذا فحسب، بل إن العالم حتى صغاره يحملون المملكة مسؤولية أي تدهور او ارتفاع مضطرب في أسعار هذه السلعة، على الرغم من وجود منتجين عالميين كبار مثل روسيا، لكن يظل العالم ينتظرون المملكة أن تبذل دورها المعتاد لضبط الأسعار ومدهم بالطاقة. هكذا تبدو الصورة بينما المملكة التي تمد العالم بهذه الطاقة الناضبة بحاجة ماسة إليها، ليس من أجل مد مشاريع التنمية الحديثة فقط، بل ليتمكن الناس من الحياة في بيئة صحراوية تفتقد وسائل التدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف كلها بقدر ما يستهلكونه من هذه الطاقة، كما أنها أرض شاسعة والتنقل بين أطرافها يحتاج إلى طاقة تحترق كل يوم بكميات ضخمة، لذلك فالمملكة التي تسعى بكل جهدها إلى ضمان استقرار الإمدادت العالمية من النفط في كل دولة، هي أيضا تريد إمدادات آمنة منه لاستدامة اقتصادها، وإذا كان تحقيق التوازن على المستوى العالمي يحتاج إلى توافر قوى سياسية هائلة انتهت باتفاق مجموعة أوبك والدول خارج "أوبك"، فإن تحقيق التوازن الداخلي في استهلاك النفط مسألة مختلفة تماما وتحتاج إلى جهود من نوع آخر. لقد وصل استهلاك المملكة من النفط يوميا ما يعادل نصف إنتاجها، وإذا استمر الاتجاه بهذه الشكل، فإننا وبعد فترة وجيزة سنقوم باستهلاك إنتاجنا كافة وهذا يعني انهيارا لجميع خطط التوازن العالمية التي خططت لها المملكة وتعهدت بها، إضافة إلى الأضرار السياسية التي ستنتج عنه. ولهذا، فقد وضعت الحكومة السعودية حل مسألة استهلاك الطاقة في المملكة نصب عينيها، وكانت الحلول على اتجاهين، الأول هو تغيير سلوك المستهلك للطاقة من خلال برنامج كفاءة الطاقة ورفع أسعارها وأيضا توفير وسائل نقل حديثة بدأت مشاريعها في الرياض. والاتجاه الثاني، هو توفير طاقة بديلة ومتجددة، وفي هذا الشأن أكد تقرير "بتروليوم إيكونوميست" أن الاعتماد على الطاقة المتجددة في السعودية يقترب من التحقق، خاصة بعد الإعلان عن صفقة ضخمة للطاقة المتجددة في آذار (مارس) الماضي، عندما عقدت السعودية اتفاقية مع صندوق "رؤية سوفت بنك" في اليابان بقيمة 200 مليار دولار لتوليد 200 جيجاواط من الطاقة الشمسية، وهو المشروع المقرر الانتهاء منه بحلول عام 2030، معتبرا أن هذا المشروع سيحول السعودية إلى أكبر منتج للطاقة الشمسية في العالم. هذا المسار بالذات هو ما نعلق عليه آمال الأجيال المقبلة، فهو قادر وحده على توفير فرص عمل للشباب والشابات في المملكة تزيد على 100 ألف وظيفة، ورفع الناتج المحلي الإجمالي للسعودية بنحو 12 مليار دولار. ولهذا، يجب أن نضع ثقلنا الاقتصادي والسياسي والاجتماعي كافة حتى التعليمي خلفه. وبعيدا عن اتفاقية سوفت بنك، فإن تحولنا إلى الطاقة الشمسية هو الخيار الاستراتيجي الصحيح في هذا الوقت بالذات، وهذا القرار لا يقل شأنا عن التوجه الاستراتيجي للمياه المحلاة، الذي اتخذته الحكومة السعودية سابقا، رغم التحديات الهائلة التي خلفه، ومع ذلك مضت الحكومة السعودية في طريق صعب وانتهت اليوم بأمان مائي كبير وخبرة عالمية يجب أن نستثمرها. لذلك، من ينظر اليوم إلى خيار الطاقة الشمسية، خاصة مع وجود طاقة النفط الرخيصة، فإنه وفق رؤية ضيقة تماما قد يثنينا عن القرار، لكن التجربة السابقة للمملكة في مثل هذه الخيارات أكدت أنه الخيار الصحيح، نحن نستطيع إذا بدأنا اليوم بكل شجاعة أن ننتج ثلثي الطاقة الشمسية الموجودة في جميع أنحاء العالم، ومن مشروع واحد، فكيف لو أصبح لنا رصيد من مشاريع مماثلة كمشاريع تحلية المياه.
إنشرها