تفاقم إشكالات المياه في الشرق الأوسط

|
دار عدد كبير من النزاعات تاريخيا حول مصادر المياه، خصوصا في المناطق القاحلة التي تندر فيها المياه، في المقابل تعرضت البلاد والمناطق الغنية بالمياه كبلاد الرافدين ووادي النيل للغزو الخارجي. أما في الوقت الحالي فهناك كثير من الإشكالات بين دول العالم حول موارد المياه، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكادت تنشب حرب بين سورية والعراق بسبب إمدادات مياه نهر الفرات في سبعينيات القرن الماضي. وفي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي تحدث تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية عن ارتفاع حدة تنافس دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على موارد المياه وتنبأ بحدوث نزاعات حولها في المنطقة. وقد أرجع التقرير السبب الحقيقي للحرب الإيرانية - العراقية التي كانت مستعرة في ذلك الوقت إلى نزاع حول موارد المياه المشتركة. وتوقع التقرير أن تحدث نزاعات قد تتسبب في حروب متعددة بين دول المنطقة بسبب المياه. وقد حدثت نزاعات كثيرة في المنطقة منذ الثمانينيات، لكن أحدا منها لم يكن بشكل صريح راجعا للمياه رغم لعب المياه دورا ضمنيا في عديد منها. أصدرت منظمة الأغذية والزراعة الدولية أخيرا تقريرا عن أوضاع المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتحدث التقرير عن هشاشة الأوضاع السياسية في عديد من دول المنطقة وعن تفاقم المعضلات المتصلة بالموارد المائية. وأضاف التقرير أن انخفاض كفاءة استخدام الموارد المائية قد يكون أسهم في هشاشة الأوضاع السياسية في بعض البلدان. بوجه عام، تطرق التقرير إلى أهم القضايا المتعلقة بالمياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومن ضمنها ندرة المياه في المنطقة التي تسود كل أرجائها. وذكر التقرير أن موارد المياه بالنسبة للسكان قليلة مقارنة بالمعدل العالمي، حيث لا تتجاوز سدس حصة الفرد على الكرة الأرضية. وقد طورت دول المنطقة استغلال معظم مواردها المائية وبنت خزانات للمياه يفوق معدلها للفرد أي منطقة أخرى في العالم. وتملك عدة دول في المنطقة مياهها سطحية أغلبها على هيئة أنهار متدفقة، لكن معظمها ينبع من دول أخرى. وتشير بيانات عديد من الأنهار الرئيسة في المنطقة إلى انخفاض كبير في حصص بعض دول المنطقة من هذه الأنهار، ما يهدد دولا كانت غنية بالمياه بالفقر المائي. من جهة أخرى، يتشارك عدد من دول المنطقة في مخزونات المياه الجوفية، ما يعقد قضايا ندرة المياه في المنطقة. تعد الزراعة - كما هو الحال في معظم العالم - أكبر مستهلك للمياه في المنطقة، لكن استهلاك القطاعات الأخرى آخذ في التصاعد. تذهب معظم زيادة الموارد المائية لتنمية القطاع الزراعي الذي يحاول تلبية الطلب المتزايد على المواد الغذائية الناتج بدوره عن النمو السكاني المتزايد وتحسن الظروف المعيشية لقاطني المدن. وقد دفع الطلب المتصاعد على المياه إلى استنزاف موارد المياه الجوفية كما رفع حدة التنافس على المياه. تلبي المياه الجوفية جل طلب القطاع الزراعي في الجزيرة العربية، ما سرع من استنزاف الموارد المائية فيها. وتتسم ممارسات القطاع الزراعي في المنطقة بانخفاض كفاءة استخدام المياه. عموما، فاقم نمو الطلب المتسارع على المياه ومحدودية مواردها من إشكالاتها. إضافة إلى ذلك يزيد المناخ القاحل حدة ندرة المياه كما يرفع التغير المناخي المتوقع مخاطر شح المياه. من جهة أخرى، اتبعت بعض دول المنطقة سياسات أضافت مزيدا من الضغوط على موارد المياه وزادت الطلب عليها بقوة، ومن أبرز تلك السياسات الدعم الموجه بحسن نية لتحسين دخول المزارعين، أو خفض تكاليف المعيشة، أو رفع ناتج القطاع الزراعي، أو زيادة الأمن الغذائي لدول المنطقة. وأسهمت سياسات دعم زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، ودعم الوقود المستخدم في استخراج المياه، وخفض تسعيرة المياه، في تفاقم ندرة المياه، حيث رفعت الطلب وخفضت تكاليف استهلاكها، ما خفض كفاءة استخدامها. كما أسهمت سياسات دعم استهلاك المياه في القطاع الصناعي والقطاعات الأخرى والتغاضي عن الآثار السلبية للأنشطة الصناعية وبعض الأنشطة الاقتصادية في زيادة الطلب على المياه وإحداث آثار بيئية سلبية على مخزونات المياه ونوعيتها. عموما، تركز تقارير المنظمات الدولية والخبراء على تحسين كفاءة استخدام المياه للتعامل مع معضلة شح المياه، لكن هذه الحلول محدودة التأثير وليست كافية لمواجهة الشح المتزايد في إمدادات مياه المنطقة والارتفاع المتواصل في الطلب عليها. لهذا، تحتاج المنطقة إلى حلول إبداعية في التعامل مع إشكالات المياه المستقبلية. وهذا يتطلب زيادات ملموسة في الإنفاق على تأهيل الخبرات المتخصصة وعلى مجالات الأبحاث والدراسات والإحصاءات المائية والمؤتمرات ذات العلاقة. كما يمكن لدول المنطقة تكثيف وإحلال التعاون في هذه المجالات بدل النزاع حول المياه. كما ستساعد زيادة المنافسة بين مراكز البحث والباحثين من خلال تخصيص جوائز عالمية قيمة في مجالات الأبحاث العلمية المتعلقة بالمياه في إيجاد حلول عملية وعلمية لإشكالات المياه، ما سيعود بالنفع على سكان المنطقة بأسرها.
إنشرها