أخبار اقتصادية- عالمية

شبح الإفلاس يصفي 13 شركة تجزئة أمريكية كبرى

يعد إفلاس الشركات إحدى الظواهر الاقتصادية التقليدية في النظام الرأسمالي، أيا كانت درجة تطوره، ومع أن الظاهرة يمكن فهمها في إطار المنافسة الرأسمالية، إلا أنها بلا شك تعكس درجة من الخلل لدى الشركة المفلسة والنظام الاقتصادي في آن واحد.
وإذا كان عدد من الخبراء الاقتصاديين يلقي باللائمة في مسؤولية إفلاس شركة ما على سوء الإدارة وافتقادها الرؤية الاقتصادية الصائبة لإدارة المشاريع أو الشركة المفلسة، فإن حصر أسباب الأفلاس في عامل واحد يقزم المشكلة، ويختصرها بطريقة قد تخل بفهم أبعادها المختلفة.
لا شك أن إعلان شركة ما لإفلاسها يعني في الأساس عدم قدرتها على سداد ما عليها من ديون، وبمجرد ظهور مؤشر لغياب القدرة الفعلية للشركة على السداد، تتراجع أسهمها في البورصة إلى أدنى المستويات نتيجة انخفاض الطلب عليها. 
ومع هذا، يعتقد الدكتور تيم مايك أستاذ الإدارة أن مفهوم الإفلاس نتيجة سوء الإدارة ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية في التحليل، مضيفا أن التطورات الاقتصادية الحديثة أدت إلى بروز مجموعة أخرى من العوامل غير التقليدية، مثل ظهور أنواع جديدة من المنافسة غير المسبوقة التي لم يفلح بعد كثير من الشركات في التأقلم معها.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، أن "الدراسات الحديثة تشير إلى أن أغلب الشركات التي تعلن إفلاسها في الوقت الراهن تتركز في مجال تجارة التجزئة، والسبب الرئيس لا يعود إلى سوء الإدارة وإنما إلى المنافسة القوية التي تجدها من شركات الإنترنت مثل أمازون على سبيل المثال، ومن ثم يمكننا القول إن كثيرا من الشركات لم تستوعب بعد وبشكل حاسم أهمية التكنولوجيا في مساعدتها على زيادة الأرباح، فالاعتماد في المنافسة على الأساليب التقليدية يضعف قدرة الشركة على المنافسة والبقاء في الأسواق لفترة طويلة". 
وتشير البيانات إلى أن أعلى معدلات الإفلاس في الولايات المتحدة تقع حاليا في قطاع تجارة التجزئة، وقد أعلنت شركات كانت تعد من أيقونات تجارة التجزئة الأمريكية إفلاسها خلال هذا العام مثل "ناين ويست"، و"كلير"، و"بون- تون"، وحتى الآن أشهرت 13 شركة من أكبر شركات التجزئة الأمريكية إفلاسها وصفت أعمالها بشكل نهائي.
فشركة "ناين ويست" للملابس النسائية أعلنت إفلاسها بعد أن بلغ إجمالي ديونها مليار دولار، بينما أعلنت شركة "ريمنجتون" لبيع الأسلحة إفلاسها بعد 202 عام من العمل في الأسواق، في ظل تراجع مبيعاتها بشكل كبير إلى نحو 30 في المائة، حيث قدرت خسائرها المالية خلال 2017 بنحو 600 مليون دولار.
وبشكل عام فإن الاختفاء المستمر للمتاجر ومحال التجزئة التقليدية سيكون خطيرا على الاقتصاد الأمريكي وستكون له أيضا عواقب وخيمة اجتماعيا؛ حيث تعتمد ربع الوظائف في الولايات المتحدة على هذا القطاع، وفقا لاتحاد "إن آر إف" الذي يمثل العاملين في قطاع التجزئة في أمريكا
ورغم أن معظم هذه الوظائف ذات أجور متدنية إلا أنها مهمة حيث توفر فرصة عمل لكثير من الأشخاص الذين لم يتلقوا تعليما مهنيا عاليا.
وترى دارن لوك الخبيرة الاستثمارية أن جزءا كبيرا من عمليات الإفلاس في الأسواق الأمريكية يعود بالأساس إلى التقديرات المبالغ في تفاؤلها بالنسبة لصانع القرار، وعدم إدراكه تفاصيل التحديات التي ستواجهه.
وتضيف لـ "الاقتصادية"، أن "غياب التخطيط وخاصة في الأجل الطويل، وعدم فهم التغيرات التي طرأت على أمزجة المستهلكين، وعدم وضوح خطط التسويق والتطوير تعد عوامل رئيسة في فشل الشركة وإعلان افلاسها، فالتخطيط الدقيق والإجابة التفصيلية على عديد من الأسئلة المحورية والبناء على معلومات وبيانات دقيقة مثل أعداد المستهلكين المتوقعة؟ والفئة العمرية لهم، وطبيعة المنافسة في ذلك القطاع والأهم بالطبع السياسة التسعيرية التي تأخذ في الاعتبار الأساليب العلمية في التسعير وليس التقديرات الجزافية جميعها عوامل تحد من إمكانية إعلان الإفلاس".
لكن القضية لا تقف عند حدود الشركات الأمريكية التي أعلنت إفلاسها هذا العام حتى الآن، ولكن الأكثر خطورة أن هناك مزيدا من الشركات الأمريكية الكبرى يتوقع أن تعلن إفلاسها قبل نهاية 2018.
ويشير تقدير مؤسسة "موديز" لخدمة المستثمرين إلى أن الشركات الأمريكية التي ستعلن إفلاسها هذا العام قد يتجاوز عددها تلك التي أعلنت إفلاسها في 2017.
ويقدر خبراء "موديز" أن العدد قد يصل إلى 18 شركة أخرى قبل نهاية العام الجاري، في المقابل يشير تقدير "ستاندرد آند بورز" إلى أن هناك 20 شركة أمريكية كبرى ذات طبيعة عالمية معرضة لخطر الإفلاس قبل نهاية 2018.
ويعتقد بعض المصرفيين أن بروز ظاهرة إفلاس الشركات الأمريكية الكبرى مقارنة بنظيراتها في آسيا أو أوروبا يعود إلى التغيرات التي طرأت على السياسة المالية الأمريكية أخيرا.
ويعتقد كيري جوردن المصرفي البريطاني أن هناك تغيرا ملموسا في السياسة المالية للولايات المتحدة عامة، وأسعار الفائدة خاصة، وهو ما أربك كثيرا من الشركات العملاقة في الولايات المتحدة، التي يبدو الآن وبشكل واضح، أنها لم تكن مستعدة أو قادرة على التأقلم مع تلك التغيرات ما أدى إلى خروجها من الأسواق.
ويضيف جوردن لـ "الاقتصادية"، أن "السياسة المالية الأمريكية في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008 اعتمدت على منح قروض ميسرة وبأسعار فائدة منخفضة للغاية للشركات الأمريكية لتحفيزها على الاستثمار والتوسع وزيادة معدلات التوظيف، وبطبيعة الحال فإن مثل ذلك فرصة ذهبية لعديد من الشركات الأمريكية للاندفاع لمزيد من الإقراض. والآن نجد تغيرا في تلك السياسات، فارتفاع معدلات النمو حفز إدارة الرئيس ترمب على الخلاص التام من سياسة التيسير الكمي، فيما ستواصل أسعار الفائدة الارتفاع، ومن ثم ستزيد تكلفة الإقراض أو سداد الديون على الشركات، وخاصة أن عديدا من تلك الشركات أدمنت القروض الرخيصة، ولم تراكم احتياطيات مالية تمكنها من سداد ما عليها من ديون".
ويشير جوردن إلى أن "حجم ديون شركة نيمان ماركوس للملابس على سبيل المثال تبلغ خمسة مليارات دولار، ولم يعد في قدرتها مواصلة الاقتراض، ولم تراكم احتياطيات مالية تمكنها من سداد ما عليها من مستحقات في التواريخ المحددة، ما دفعها لإعلان إفلاسها".
ويبدو الوضع أن مختلف نسبيا في الاقتصادات الأوروبية الرئيسة مقارنة بالوضع في الولايات المتحدة، ففي ألمانيا يبدو إفلاس الشركات في أدنى مستوى له، إذ إن الشركات الألمانية التي أعلنت إفلاسها لا تمثل سوى 0.42 في المائة من إجمالي الشركات.
وتحتل ألمانيا المرتبة الثانية في هذا المجال بعد الدنمارك، التي تأتي في المرتبة الأولى باعتبارها أقل الاقتصادات الأوروبية التي تعلن فيها الشركات إفلاسها، ويرجع البعض الوضع المميز للدنمارك وألمانيا إلى تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي. 
لكن الوضع يبدو مختلفا في المملكة المتحدة، فبريطانيا تعد الاقتصاد الأوروبي الرئيس الوحيد الذي يسجل زيادة في معدلات الإفلاس، وبينما قدر معدل إفلاس الشركات البريطانية عام 2016 بنحو 10.1 في المائة، فإنه قفز في عام 2017 إلى 19.8 في المائة.
ورغم أن بيانات عام 2018 لم تصدر بعد فإن كثيرا من المؤشرات ومنها تخطيط بعض الشركات الدولية للانسحاب من بريطانيا نتيجة الخروج من الاتحاد الأوروبي، يشير إلى توقع زيادة معدلات الإفلاس هذا العام والأعوام المقبلة.
ويتوقع لـ "لاقتصادية"، الدكتور آر. نارن أستاذ الاقتصاد البريطاني، "زيادة معدلات الإفلاس بين الشركات الصغيرة والكبرى في بريطانيا في أعقاب الخروج التام من الاتحاد الأوروبي، خاصة إذا تم الطلاق دون اتفاق تام وتفصيلي حول التعرفة الجمركية بين الطرفين".
ويستدرك قائلا: إن "تقلص السوق بالنسبة للشركات البريطانية، وارتفاع التكلفة الإنتاجية، وترافق ذلك مع انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وتراجع قيمة الاسترليني عوامل جميعها تشير إلى أن معدل إفلاس الشركات البريطانية ربما يكون غير مسبوق من الآن وحتى عام 2020 على الأقل". 
في المقابل، تبدو اليابان في نظر البعض نموذجا مثاليا لتجنب حالات الإفلاس، فالركود التضخمي الذي هيمن على الاقتصاد الياباني لسنوات أدى إلى عدم تجاوز معدلات إفلاس الشركات 0.9 في المائة. 
إلا أن بعض الخبراء يشير إلى أن تلك الصورة المثالية تخفي تشوهات لا يجب غض الطرف عنها، وهي أن الشركات الصغيرة تعاني حالات إفلاس ضخمة تتم التغطية عليها من خلال عمليات الإقراض، ومن خلال ضخ المدخرات الشخصية في تلك الشركات لتفادي الإفلاس. 

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية