FINANCIAL TIMES

مع ناكاسو من جديد

قبل بضعة أسابيع، اتصلت هاتفيا بناكاسو مرة أخرى. منذ أول لقاء جمعنا في طوكيو قبل عقدين من الزمن، حصلت كثير من الأحداث. انتقلت إلى أمريكا مع صحيفة “فاينانشيال تايمز”، وهو أصبح نائبا لمحافظ بنك اليابان، ومن ثم تقاعد أخيرا لينضم إلى فريق للأبحاث في طوكيو.
سألته: “إذن هل تعتقد أن النظام المالي أصبح الآن أكثر سلامة”. وقدم لي ناكاسو – كالعادة – إجابة متوازنة بعناية. نعم، كانت بعض أجزاء التمويل أقوى: بعد أزمة عام 2008، أعادت الحكومة الأمريكية رسملة مصارفها، وأوقفت الممارسات الأكثر جنونا التي تضمنتها طفرة الائتمان.
ولاحظ ناكاسو: “لم يخطر على بال السلطات الأمريكية قط أن التجربة اليابانية يمكن أن تحصل في بلادهم، لكنهم تعلموا في نهاية المطاف الدروس المستفادة (من اليابان) وتصرفوا بشكل أسرع مما فعل اليابانيون”.
كما كانوا أيضا أكثر حزما من السلطات الأوروبية. يقول هنري بولسون، وزير الخزانة الأمريكية السابق: “كان الأوروبيون أبطأ في اتخاذ الإجراءات اللازمة”.
على أنه لم يتم “إصلاح” التمويل تماما: كان المستثمرون من غير المصرفيين يدخلون في مخاطر خطيرة جزئيا، لأن السياسة النقدية الفضفاضة جدا جعلت الاقتراض رخيصا للغاية.
ومن ثم، هناك القضية التي اتخذها المصرفيون بمنزلة نكتة في برشلونة مع فرقة “الرفع المالي”: الديون. إحدى الميزات الملحوظة التي اتسم بها العقد الماضي هو تلك التي حصلت بين عامي 2007 و2017، حيث قفزت نسبة الدين العالمي إلى الناتج العالمي الإجمالي من 179 في المائة إلى 217 في المائة، وفقا لبنك التسويات الدولية في بازل.
لم تحصل طفرة الاقتراض المذكورة في مجالات التمويل التي تسببت في حصول الأزمة الأخيرة، مثل القروض العقارية لضعاف الملاءة. بدلا من ذلك، تحصل طفرة الديون بين الشركات المحفوفة بالمخاطر والحكومات، التي تراوح ما بين تركيا “التي تواجه في الأصل انقباضا ماليا” وأمريكا “حيث تسارع الاقتراض في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب”.
في الوقت نفسه في الصين، تضاعف إجمالي الدين العام والخاص خلال العقد الماضي ليصل إلى نحو 300 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يتجاوز حتى طفرة الدين الجامحة في اليابان في فترة الثمانينيات.
لذلك، هل ستعمل الصين على استثارة الأزمة المقبلة؟ عموما، اقترحت على ناكاسو أن هناك كثيرا من الأصداء التي تشبه اليابان في فترة الثمانينيات: الغطرسة والغموض والنخب الطموحة والتغير الاقتصادي السريع الذي يخطف الأنفاس.
رد ناكاسو قائلا: “ربما لا”. وأشار إلى أنه في الوقت الذي تبدو فيه أرقام الدين مثيرة للقلق، لدى الصين بعض جوانب القوة المتينة: احتياطيات كبيرة من العملات وحكومة تستطيع التصرف بأسلوب بارع وحازم لمحاربة الأزمة، دون أن تتعرض لتشتيت الناخبين.
“استخدام الميزانية العمومية للبنك المركزي مشكلة بالنسبة للبلدان الديموقراطية” على حد قوله.
لدى الصين سلاح حاسم آخر: يبدي المسؤولون الحكوميون في بكين اهتماما شديدا بالتاريخ، فهم يريدون تفهم كوارث الشعوب الأخرى، والعمل على كيفية تجنبها.
قال تيموثي جايتنر، وزير الخزانة الأمريكية في إدارة الرئيس باراك أوباما: “أحد مواطن القوة في الصين اليوم هي أنها تتدبر الأمور جيدا”. أو كما يقول داليو: “الصينيون دارسون جيدون للتاريخ – (الحكومة) تتفهم آلية الأزمات ومن الأسهل عليها اتخاذ القرارات، سياسيا، أكثر من الولايات المتحدة”.
ذكر ناكاسو عبر الهاتف قائلا: “اجتمع الصينيون معنا عددا من المرات لإجراء محادثات حول الأزمة المالية اليابانية”. ما هي النصيحة التي يقدمها المسؤولون اليابانيون؟ “النصيحة الرئيسة هي الاستعداد لما هو أسوأ – واتخاذ الحيطة والحذر. إن شاهدت الأزمة وهي مقبلة، يجب عليك أن تكون جريئا جدا”.
هل هذا يعد كافيا؟ هل بإمكان الصين تعلم ما يكفي من الدروس لتجنب مصير اليابان في عام 1997 – أو أمريكا قبل عقد مضى؟ هذا السؤال تبلغ قيمته تريليون دولار ولن تتم الإجابة عليه لعدة سنوات.
الأمر الوحيد الذي أصبح جليا للغاية هو أنه إن حصل واستسلمت بكين للطفرة والانهيار، يمكن للآثار المترتبة على الاقتصاد العالمي أن تكون مدمرة.
يقول وينترز: “العالم أصبح أكثر اعتمادا بكثير على الصين اليوم مما كان اعتماده على اليابان في التسعينيات”. لم يحصل قط من قبل أن أصبحت هذه الكتب المتعلقة بالتاريخ المالي ذات أهمية كبيرة إلى هذه الدرجة، إلا الآن.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES