ثقافة وفنون

المعارك الأدبية .. قيمة حقيقية استنزفتها شتائم الافتراض

في أواخر القرن التاسع عشر برز مفهوم "المعارك الأدبية"، التي أدت في المحصلة إلى ازدهار الحركة الثقافية، وبروز نجم مجموعة كبيرة من الأدباء والمثقفين، إلا أن تلك المعارك فقدت بريقها مع بداية ظهور الإنترنت، فانتقلت إلى الفضاء الافتراضي كـ "حتمية تكنولوجية".
ما يميز تلك المعارك أنها كانت ممتعة، يشارك فيها النخبة من المثقفين والشعراء، مع اختلاف المنابر، التي كانت تتفاوت بين مجلة أو كتاب أو صوالين ومجالس ثقافية، إلا أن انتقالها إلى فضاء الإنترنت فتح باب المشاركة للجميع، النخبة والقارئ والمثقف وحتى الجاهل بأدبيات الحوار، فأفقدت المعركة جزءاً من متعتها، وبتنا لا نتذكر متى آخر مرة قرأنا فيها معركة أدبية حقيقية.
«فقاعة» أدبية

تفجر معارك الأدباء والمثقفين قضايا مهمة مثل صراع الفصحى والعامية، أو أفضلية المذاهب والمدارس الأدبية، والثقافتين العربية والغربية، ونقد الأعمال الشعرية والروائية، وحتى المعارك بين جمهور مثقف وآخر، إذ تتهافت عليها التيارات الأدبية، وتنتشر شرارتها بين المثقفين لترجيح كفة على الأخرى، لكن ذلك كله بدأ في التلاشي إلى درجة الاختفاء، لتعود المعارك بشكلها الجديد على منصات التواصل الاجتماعي، على استحياء، دون نكهة، تدار دون أي وازع أخلاقي، حيث تدار بقسوة لتفرد جيلاً متعصباً، ويتم فيها "شخصنة" القضية وتأجيج الاختلاف، وكيْل الشتائم والاتهامات بالسرقة الأدبية أو الهبوط بالمستوى الثقافي، إلا أنها كالفقاعة ما تلبث أن تنطفئ، دون أن تترك أي أثر في الحياة الثقافية.
وليس بخاف أن المعارك الأدبية على منصات وسائل التواصل الاجتماعي هي امتداد طبيعي للمعارك الأدبية المكتوبة أو الشفهية، لكن أكبر ما يعيبها اليوم هو الاختباء خلف الأسماء المستعارة والوهمية، والحصول على حشد وهمي وأصدقاء افتراضيين بأساليب ملتوية، ما يجعل من الصعب استمرار المعركة أو متابعة نتائجها بكل شفافية وعدل وإنصاف.

مزايا إضافية

على الضفة الأخرى، يُحسب للثورة التكنولوجية وعالم الإنترنت أنهما أضافا إلى المعارك الأدبية مزايا إضافية، مثل تسهيل التواصل في أي زمان ومكان، ومشاركة مزيد من الأطراف، وتنشيط الحركة الثقافية، في وقتٍ أضافت إليها فيه بعض العيوب، مثل تجييش آلاف المتابعين الوهميين، وتحويل المعركة الأدبية إلى معركة رقمية شرسة، تتجاوز أدب الحوار إلى اختراق الحسابات وتشويه الآخر.
كانت المعارك الأدبية التي يبدأها طه حسين والرافعي والعقاد وآخرون تنتهي بنتيجة مرضية للجميع، فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، والمعارك تنتهي بود واحترام متبادل لا تشوبه شائبة، في حين تمثل قضية النصر أو الهزيمة فيصلاً في المعارك الأدبية الحديثة، وأصبحت صراعات فكرية لا ترتقي - غالباً - بالثقافة، إنما تزيد الخصمين انقساماً.

الصحافة الخاسر الأكبر

المعارك الأدبية بشكلها التقليدي كانت تشكل ساحة خصبة لازدهار الصحافة الورقية، التي توفر صفحات "دسمة"، تقدم للحياة الثقافية متعاً استثنائية، وتنتقل بالمخيلة الإبداعية إلى آفاق أوسع، وتشكل حركة نقدية حقيقية.
كما كان لتلك المعارك جمهور متابع، يكتب ويهتم، وكان الصخب لا ينتهي، فخلفت كتباً ودراسات توثق معارك خالدة، مثل معركة تلقيب الشاعر أحمد شوقي بـ "أمير للشعراء"، التي دارت رحاها بين طه حسين وعباس محمود العقاد، أو المعركة بين جمهوري كوكب الشرق "أم كلثوم" والعندليب الأسمر، ومعركة عبدالقدوس الأنصاري وحمد الجاسر، ومعارك أنيس منصور، ومعركة الشاعرين الرصافي والزهاوي على صفحات الصحف العراقية، ومعركة أحمد أمين التي بدأها بسلسلة مقالات "جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي" ليرد عليه الدكتور زكي مبارك بسلسلة مقالات تحت عنوان "جناية أحمد أمين على الأدب العربي"، ودارت رحى هذه المعركة بين مجلتي الرسالة والثقافة، كما تحمل الذاكرة معارك أخرى جميلة اندلعت على ورق الصحف، وكان القلم سلاحها الوحيد، والصحافة وسيلتها الاتصالية.

نهاية المعارك الأدبية

مثقفون كشفوا لـ "الاقتصادية" أن غياب المعارك الأدبية أو ندرتها هذه الأيام يعود في المقام الأول إلى غياب النقاد الكبار، إما لوفاتهم، أو عدم انضمامهم إلى ركب المثقفين على وسائل التواصل الاجتماعي، في حين يرى آخرون أن جهل المثقف الحالي بأبجديات النقد جعل من الصعب نشوء معركة أدبية، في ظل وجود فقر إبداعي وثقافي شديد، وقلة المساحات الثقافية والمنابر الأدبية، وعدم وجود قضايا ثقافية تستحق "القتال" من أجلها.
ومن أسباب غياب تلك المعارك اضطراب الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عدد من الدول العربية، إذ بات المثقف يبحث عن لقمة العيش، في حين فقد كثيرون مكانتهم المميزة التي كانوا يحظون بها قبل عقود من الزمن، لعدد من المتغيرات الحياتية، ليصبح الواقع الثقافي جامداً، غير مثمر، يسوده الجفاف التام. وكان للأديب المصري الراحل نجيب محفوظ تفسير مختلف لخفوت نجم المعارك الأدبية، إذ قال حول ذلك "أعتقد أن السبب الأول هو الفجوة الكبيرة بين الأدباء والمفكرين وبين القارئ، لأنه قاعدة المثلث، وإذا اختفت القاعدة لم يكن هناك مثلث، والقارئ بدوره لم يعد يتفاعل مع ما يُكتب، لذلك نجد كثيرا من الكتَّاب يصابون بالإحباط لأنهم كانوا يتوقعون - مثلاً - لفكرة ما أو لكتاب أن يحدث صدى أكثر فلا يحدث".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون