ثقافة وفنون

الاستنساخ الثقافي .. وهم الأقوياء وورطة الضعفاء

يعد جان بودريار Jean Baudrillard (1929/2007) من الفلاسفة وعلماء الاجتماع الذين أثاروا الجدل حول عدة قضايا سياسية واجتماعية وفلسفية مثل قوله "حرب الخليج لم تقع"، "موت الواقع"، "التبادل الرمزي"، "العنف العالمي"، "التبادل المستحيل" هذا المفهوم الأخير هو عنوان أحد كتبه في الأساس.
ولقد كتب بودريار عدة مؤلفات فكرية أسهمت في فتح أفق النقاش حول عدة قضايا فكرية وفلسفية، مثل: نظام الأشياء، مجتمع الاستهلاك، التبادل الرمزي والموت، العنف في العالم، المصطنع والاصطناع، فضلا عن "التبادل المستحيل" هذا الكتاب الأخير الذي يحاول الباحث الجزائري، عمار بوزيزه، في هذه الورقة تقديم قراءة فيه، فما المقصود بالتبادل المستحيل والاستنساخ الثقافي؟ وما أهم الأفكار التي طرحها عنهما بودريار في هذا المؤلف؟ فضلا عن أبعادهما الاقتصادية والاجتماعية؟

التبادل المستحيل

ينطلق بودريار من مسلمة هي كالتالي: "كل شيء ينطلق من التبادل المستحيل" وفي كتابه "التبادل المستحيل"، نجده يستخدم مفاهيم أخرى لشرح هذا المفهوم مثل "لا يقين" و"اللا معادل"، ويتحدث كذلك عن العلاقة بين الفكر والعالم فيقول "كل شيء ينطلق من التبادل المستحيل، إن "لا يقين العالم" هو أنه لا مبادل له، ولا يمكن مبادلته بشيء"
إن المجال الاقتصادي هو المجال الذي تتم فيه عدة تبادلات؛ لأنه قائم على التجارة التي تحدث فيها تبادلات السلع ورؤوس الأموال...إلخ، لكن بودريار يذهب إلى أن المجال الاقتصادي لا يمكن مبادلته بشيء؛ لأنه لا يوجد مقابل له "المجال الاقتصادي الذي هو مجال للتبادلات كلها، إذا ما تناولناه بجملته، لا يمكن مبادلته بشيء "…" لا شيء لرده إلى عالم آخر".
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بودريار في المجال الاقتصادي يتحدث عمّا يسميه بالاستهلاك الجماعي، حيث يرى أن فرنسا في حقبة الستينيات من القرن العشرين كانت قائمة على التحديث والتطور التكنولوجي والاحتكار الرأسمالي، فهو مجتمع – أقصد الفرنسي- مجتمع يطور معلوماته ومعارفه الخاصة بالاستهلاك الجماعي، حيث يرى أن نظريات ماركس المتعلقة بنمط الإنتاج لم تتغير ويعد الاستهلاك حسب اعتقاده أساس الإنتاج وليس النظام الاجتماعي.
والأمر نفسه يقع على المجالات الأخرى من سياسة وحقوق وفن...إلخ "تتأثر المجالات الأخرى "السياسة، الحقوقية، الجمالية" بـ "اللا تعادل" ذاته وبالتالي بالمركزية ذاتها، هي حرفيا لا معنى لها خارج ذاتها ولا يمكن مبادلتها بشيء".
والأمر نفسه مع مجالات أخرى، مثل المجال البيولوجي، الذي سنتطرق إليه في النقاط الموالية.
يشير بودريار إلى أن التطور التكنولوجي سيؤدي إلى زعزعة الدلالة المرتبطة بالعلامة بسبب ظهور "الحقيقة الواقعية الافتراضية" يقول "أما فيما يخص العلامة، فأصبحت تنتمي إلى التصنع والتأمل المحض للعالم الافتراضي "عالم الشاشة الكلية"، حيث يهيمن "اللا يقين" ذاته على الواقعي وعلى "الحقيقة الواقعية الافتراضية"، وذلك فور انفصالهما، كفّ الواقعي عن استمداد قوته من العلامة، كما كفت العلامة عن أخذ قوتها من المعنى".
إننا نعيش اليوم في عالم خيالي قائم على الشاشة، فكل أماكننا شاشات فمثلا اليوم الكل يحدق في شاشات صغيرة في الهاتف أو التلفاز أو الحاسوب... ويعيش في عالم افتراضي، إن الأمر خطير فعلا عندما تسيطر التكنولوجيا على الإنسان، لأن الإنسان هو من صنع التقنية، وليس العكس وعليه هو أن يستخدمها في الطريق التي بها يفيد ذاته وغيره.

الاستنساخ الثقافي 

عالج بودريار استنساخا آخر هو الأخطر يتمثل في الاستنساخ الثقافي؛ أي محاولة فرض نموذج واحد يكون هو المسيطر على العالم، وبالتالي القضاء على التنوع الثقافي، حيث تصبح الموجودات نسخا مطابقة لبعضها البعض عبر نظام المدارس ووسائل الإعلام والثقافة "وهذا الاستنساخ الفعلي؛ أي الاستنساخ الاجتماعي والاستنساخ الصناعي للبشر وللأشياء، هو الذي يوجد الفكر البيولوجي للصيغة الوراثية وللاستنساخ الوراثي الذي لا يقوم إلا بمعاقبة الاستنساخ الذهني والسلوكي".
ويتجلى التبادل المستحيل في أنه مهما صنع الإنسان من إنسان اصطناعي يتميز بالذكاء والقوة بمستويات عالية؛ لا يمكن مبادلته بالنوع الإنساني يقول بودريار "النوع الإنساني ذاته لا يمكن مبادلته بنوع آخر اصطناعي، حتى إن كان هذا الأخير يفوقه قيمة وأدا".
يقول أبو القاسم حاج حمد في كتابه "الإبستمولوجيا الكونية"، "إن أمريكا تريدنا أن نمتثل لها لا أن نتمثل صورتها، فأمريكا لا تريد لدول العالم الثالث أن تكون قوية مثلها، وحتى في فرض نموذج ثقافي واحد أمريكا تريد أن يكون نموذجها الثقافي هو النموذج المثالي الذي تسعى كل الدول إلى تبنيه لتفقد هويتها وخصوصيتها، وليس أن تنشر ثقافتها ليستفيد منها الآخر، لأنها تريد السيطرة في المقام الأول حتى إن بدا الأمر هو نشر الثقافة؛ لأن العلم قوة كما يقول فرانسيس بيكون ومن غير المعقول أن تعطي أمريكا القوة لغيرها.

التبادل في المجال الأخلاقي

إن الشر حسب بودريار لا يتناقض أبدا مع الخير، ويصورهما من خلال أمثولة جبل الجليد في البحر؛ أي الجليد الذي هو تحت الماء يمثل الخير والفوق يمثل الشر وبفعل الحرارة يذوب الجليد ويختلط بماء البحر، يقول بودريار "الخير والشر عكوسان، ليس فقط أنهما لا يتعارضان، بل بإمكانهما التبادل مع بعضهما البعض، وتمايزهما في نهاية الأمر لا معنى له طبعا".
تجدر الإشارة إلى أنه لكي يتمكن شيآن من التبادل يجب تخليصهما من هذا الانجذاب الذي يحدث بينهما، فلا يمكن أن يكون بإمكانهما التحول إلى بعضهما البعض، وبإسقاط هذه الرؤية على الخير والشر، نجد أنهما متجاذبان ومتداخلان لذلك يستحيل التبادل بينها.

يفرق بودريار بين التحول والتبادل بقوله "في التعددية والكثرة لا يتبادل الكائن إلا مع ذاته أو مع تقلباته الكثيرة ينتقل من موضع إلى آخر لكن لا يتحول".

حل التبادل المستحيل

يقول بودريار "يوجد حل آخر للتبادل المستحيل، هو مبادلتها بحياة مزدوجة"، ويمكن توضيح ذلك من خلال مثاله عن شخصية "رومان" الشخصية الرئيسة في الإجرام في التسعينيات، عندما أخفق في دراسة الطب ولم يشأ أن يصارح والديه. لذلك، استغل مال عائلته ليؤسس حياة كاملة موازية شبه طبية، لكن فيما بعد قتل والديه وزوجته وولديه، ولم يستثن سوى الخادمة، لأنه لم يشأ أن يكفّ من آمن به عن تصديقه، فكان الحل إلغاءهم.
وكل ما فعله رومان حسب بودريار منطقي، فهو أراد أن يجنبهم خزي أن يعرفوا الحقيقة وما يلومهم رومان عليه هو أنهم لم ينجحوا في اكتشاف الحقيقة، ولم يستطيعوا أن ينفذوا إليه وتركوه في ضلاله ومكره "جاعلين منه آلة محاكاة الحقيقة".
ونجت الخادمة من الموت، لأنها اكتشفت الزيف والخدعة، وعندما قدموه إلى العدالة لم يصدقوه، حينما قال لهم "إنه كان يحبهم وإنه أراد أن يجنبهم خيبة أمل كبيرة وكاملة؛ لذلك قام بإلغائهم، ولو لم يكونوا وثقوا به بشكل كامل لما قام بقتلهم، إن ما كان يعيشه رمان هو الحياة الثانية وبإلغائه لهم كان قد عاد إلى الحياة الأولى، وعلى أي حال فهو يغار على صورته الذاتية الموجودة لديهم، ويجب أن تبقى هذه الصورة سليمة في أعينهم، وهو ما يسميه بودريار الاصطناع، حيث يقول "المصطنع ليس إطلاقا هو ما يخفي الواقع، بل إن الواقع هو الذي يخفي عدم وجود واقع المصطنع الحقيقي".
وهناك مصطلح آخر هو مصطلح الإخفاء، ويفرق بودريار بينه وبين الاصطناع بقوله "الإخفاء هو التظاهر بعدم امتلاك ما نملك، بينما الاصطناع هو التظاهر بامتلاك ما لا نملك، الأول مرجعيته الحضور، والثاني الغياب".
فالاصطناع غير التظاهر: فمن يتظاهر بالمرض يمكنه أن يستلقي على سريره ليوهم بأنه مريض. أما من يصطنع المرض، فإنه يعين في حاله بعض الأعراض.

العولمة في تصور بودريار

يرى جان بودريار أنه بين لفظتي العالمي Mondial والعام Universel تشابه خادع، لأن العمومية هي عمومية حقوق الإنسان، والحريات والثقافة والديمقراطية. أما العولمة، فتشمل التقنيات والسوق والسياحة والإعلام، وحسب بودريار العولمة تبدو ذات اتجاه لا محيد عنه، في حين إن العام في طريقه إلى التلاشي على الأقل على النحو الذي تكوّن فيه من خلال نظام قيم على صعيد الحداثة العربية لا نظير له في أي ثقافة أخرى.
وهناك مفهوم آخر يبدو قريبا من مفهوم العولمة، وهو مفهوم الحداثة يعرفها بودريار بقوله "ليست الحداثة مفهوما سوسيولوجيا ولا مفهوما سياسيا وليست بالتمام مفهوما تاريخيا، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي؛ أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية، مقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالميا انطلاقا من الغرب".
من هذا التعريف، نفهم أن الحداثة وإن كانت قريبة في دلالتها مع العولمة إلا أنها لا تحاول فرض النموذج المثالي الواحد على العالم، إنما هي نمط حديث يتعارض مع القديم، وهذا لا يعني أن الحديث يلغي بالضرورة القديم، وكل ثقافة - حسب بودريار - عندما تعمم تفقد خصوصيتها وتموت، هكذا كان الأمر بالنسبة إلى كل الثقافات التي تم تدميرها بدمجها بالقوة في النموذج العولمي.
وفي آخر كتاب التبادل المستحيل، أشار بودريار إلى ما يسميه تضليل العالم، والتضليل في تصوره هو السيطرة على العالم ومحاولة تحويل الإنسان إلى آلة لواقع افتراضي، وجسد مثخن بجراحات التقنية ويتجلي هذا التضليل في:
1ـ النظام العولمي وسياسته الردعية
2ـ النظام الرأسمالي وسياسته الاستهلاكية
3ـ النظام الإعلامي وسياسته الزيفية
وهكذا تتجلى الصورة في هذا الثلاثي السياسي والاقتصادي والإعلامي، وهي مكبلات الحرية الإنسانية وأدوات تضليله.
ويوضح بودريار خطورة العولمة بقوله "إن ما يتعولم هو السوق أولا، وفرة التبادلات وكل المنتجات، وتدفق المال المستمر (…) لا يعود ثمة اختلاف بين العالمي والعام، فالعام نفسه تعولم والديمقراطية وحقوق الإنسان تعبر الحدود كأي منتوج عالمي كالنفط أو رؤوس الأموال".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون