FINANCIAL TIMES

معركة النخب .. المثقفون مقابل الأثرياء

"النخبة" هي كلمة الكراهية السياسية لعصرنا، لكن خلال حديث صاخب هذا الصيف في مدينة فارجو، في ولاية داكوتا الشمالية، قال دونالد ترمب شيئا مثيرا للاهتمام. "يسمونهم النخبة"، قال بتذمر. "نحن لدينا مال أكثر، ولدينا عقول أفضل، ولدينا منازل وشقق أفضل، ولدينا قوارب أجمل، ونحن أكثر ذكاء منهم ويقولون إنهم النخبة".
ترمب وضع يده على شيء ما: في السياسة الغربية، لا توجد نخبة واحدة، بل اثنتان. هناك "النخبة الثقافية" الليبرالية التي يحتقرها، والنخبة الثرية اليمينية ذات القوارب الكبيرة التي ينتمي إليها.
في ورقة حديثة تم تجاهلها بشكل مريب، يحلل الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي — صاحب الكتاب الشهير "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، المنشور عام 2013 — النخب المتنافسة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. دمج بيكيتي دراسات استقصائية أجريت في مرحلة ما بعد الانتخابات في الفترة من عام 1948 إلى عام 2017 مع بيانات حول ثروة الناخبين وتعليمهم ودخلهم وما إلى ذلك. وكانت قصة كل بلد مشابهة للبلد الآخر. النخبة الثقافية والنخبة الموسرة ("البراهمة" و"التجار"، كما يسميها بيكيتي) كلاهما في حالة نمو. وكلاهما لديه أحزابه السياسية المختارة. على اليسار وعلى اليمين، أصبحت السياسة الآن رياضة نخبوية.
التغيير الكبير منذ عام 1948 هو تحول النخبة المتعلمة نحو اليسار. يقول بيكيتي "الاتجاه متماثل تقريبا في البلدان الثلاثة". في الولايات المتحدة، مثلا، من الأربعينيات إلى الستينيات كلما كان الناس أكثر تعليما، صوتوا لمصلحة الجمهوريين. وبحلول عام 2016، انعكس الوضع: 70 في المائة من الناخبين الحاصلين على درجة الماجستير دعموا هيلاري كلينتون. وتحول خريجو الجامعات البريطانيون إلى اليسار ببطء أكثر، لكنهم في الأغلب يصوتون لمصلحة حزب العمال.
النخبة المتعلمة مكونة من أفراد صغار السن نسبيا، يعيشون في المناطق الحضرية، وتضم عددا متزايدا من الإناث – وهي آخذة في النمو. كان ماركس يطلق عليها "الطبقة الصاعدة". لنأخذ الولايات المتحدة: في عام 1948 كان 6 في المائة فقط من الناخبين يحملون شهادة جامعية. وبحلول عام 2016 كان 13 في المائة منهم يحملون درجة الماجستير أو الدكتوراه. في فرنسا عام 1956 كان 5 في المائة من الناخبين يحملون شهادة جامعية. وبحلول 2012 كان 16 في المائة يحملون شهادات متقدمة. باختصار، هذه ليست مجرد نخبة صغيرة مركزة في بارك سلوب في بروكلين، أو في الضفة الغربية لنهر السين في باريس. البراهمة في كل مكان الآن. كثير منهم من المهنيين الأثرياء، لكن آخرين منهم أمناء مكتبات ومفكرين مثقفين يمتلكون قوارب مخيفة.
وبينما تحول البراهمة إلى اليسار، بقي الأثرياء حيث هم؛ على اليمين. "الثروة" هي الكلمة الفعالة هنا. يوضح بيكيتي أن أصحاب الدخل المرتفع ينقسمون بين اليمين واليسار. لكن الذين يمتلكون ثروة (بعضهم يمتلكون منازلهم) هم يمينيون غالبا. كما كتب بيكيتي إن "الثروة هي محدد أقوى لموقف التصويت أكثر من كونها دخلا. على حد علمي لم يتم ذكر هذه الحقيقة البسيطة في بحوث سابقة". مثل النخبة المتعلمة، واصلت النخبة الثرية النمو. قد يكون الدخل راكدا، لكن الورثة يتكاثرون على نحو لم يسبق له مثيل. لقد جمعت الأسر ثرواتها على مدى أكثر من 73 سنة من السلم. يرث الناس المنازل أكثر من أي وقت مضى. وأسواق الأسهم البريطانية والأمريكية تسجل ارتفاعات قياسية منذ أيار (مايو).
طبقة "التجار" التي حددها بيكيتي (تضم العديد من أصحاب الأعمال). وعادة ما يواجه أعضاؤها ازدراء البراهمة لأنهم أقل تعليما، وأكبر سنا، وليسو ذو صلة بمطاعم وملابس ولغة العصر. وعادة ما ينسب التجار ثرواتهم إلى إنجازاتهم الخاصة (أو إنجازات عائلاتهم على الأقل)، في حين يميل البراهمة إلى أن ينسبوها إلى قوى اقتصادية غير شخصية.
باختصار، بين البراهمة والتجار عداء طبيعيا. صحيح أن الكثير من الناس لديهم قدم في كلتا النخبتين: خذ المرأة المدافعة عن حقوق النساء، التي تخصصت في الفلسفة في جامعة برينستون لكنها الآن وريثة تعمل في مجال التمويل. بعضهم يشعر بالتشتت والحيرة. في كتاب "الطريق غير السهل" Uneasy Street تتناول عالمة الاجتماع، راشيل شيرمان، سكان بروكلين من الليبراليين الذين يشعرون بالانزعاج بسبب ثروتهم: أحد الأغنياء الذين قابلتهم يعتقد أن العديد من الأثرياء "أغبياء تماما". لكن معظم أعضاء النخبة في نهاية المطاف يختارون معسكرا دون آخر.
معركة النخب يتم خوضها بشكل مختلف في كل بلد. في فرنسا تم انتخاب إيمانويل ماكرون من قبل البراهمة، لكنه يستميل يشكل متزايد طبقة التجار، جزئيا بسبب إلغاء ضريبة الثروة. إذا استطاع أن يجمع بين النخبتين، فإن ذلك قد يكون كافيا للفوز بربع جميع أصوات الجولة الأولى وإعادة انتخابه رئيسا.
لكن الأحزاب البريطانية والأمريكية تحتاج إلى ما يقارب نصف أصوات الناخبين، لذلك تستميل المحرومين لكسب أصواتهم. الأحزاب في اليمين واليسار تفعل ذلك دون أن تعطي الناخبين الأكثر حرمانا ما يريدون. لن تهاجم الأحزاب اليسارية المهاجرين، بينما ترفض الأحزاب اليمينية إعادة توزيع الثروة.
في الأثناء يراقب المحرومون بلا حول ولا قوة، بعدما تم تهميشهم في السياسة ومعظم المجالات الأخرى. لم يعد غير المتخرجين في الجامعات، مثل هاري ترومان أو جون ميجور، يقودون الحكومات الرائدة. حتى رئيس الوزراء الإيطالي الشعبوي أستاذ قانون، ويواجه مزاعم بأنه عمل على تزويق سيرته الذاتية. سياسيو اليوم نخبويون تربوا على يد البراهمة، ويمولهم التجار. ويلحظ بيكيتي: "قد لا يكون من الغريب أن الزيادة الهائلة في الامتناع عن التصويت (...) في جميع البلدان الثلاثة بين الخمسينيات والستينيات (من القرن الماضي) والعقدين الأول والثاني (من القرن الحالي) نشأت في معظمها داخل الفئات الأقل تعليما والأقل دخلا".
فازت الأحزاب اليمينية بالانتخابات الأخيرة، جزئيا لتشويهها صورة "نخبة" البراهمة. لكن هذه اللعبة تتم ممارستها من قبل طرفين. يحتاج اليسار إلى لقب "النخبة" لكن عليه أن يستخدمه ضد التجار. السؤال الكبير في عالم السياسة اليوم هو أي النخبتين ستفوز؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES