FINANCIAL TIMES

في غابة الأمم .. نمر كوريا يتحاشى تنين الصين وعدوى اليابان

في أروقة السلطة في سيئول، بين صناع السياسة والاقتصاديين ورجال الأعمال الذين يقودون رابع أكبر اقتصاد في آسيا، يهيمن على الحوار موضوع واحد غير متوقع؛ الأزمة وهو ما قد يعني تلميحا لصراع في الأفق مع الصين.
قد يبدو هذا غريبا من الخارج، نظرا لأن الاقتصاد الكوري الجنوبي تبدو عليه علامات الصحة القوية. ومن المتوقع أن يكون معدل نمو هذا الاقتصاد خلال العام الحالي أقل بقليل من 3 في المائة، في حين أن الصادرات لا تزال منتعشة والبطالة دون 4 في المائة.
على أن هذه المؤشرات تحجب حقيقة صارخة للاقتصاد الذي كان نمر آسيا ذات مرة، إذ يلوح في الأفق مزيج من العوامل التي يعتقد الاقتصاديون أنها يمكن أن تؤثر بشكل عجيب في مسار النمو في البلاد، ما لم تبدأ الحكومة إصلاحات هيكلية جادة على الفور.
ابتداء من التهديد المتنامي والمحتمل أنه مصيري من المنافسين الصينيين، إلى زيادة عدد السكان المسنين بسرعة، يجب على الاقتصاد الكوري الجنوبي الانتقال سريعاً إلى نموذج نمو جديد، كما يقول الخبراء، أو المخاطرة بتباطؤ طويل الأجل أقرب إلى اليابان المجاورة.
يقول يون جونغ وون، المستشار الاقتصادي لرئيس كوريا الجنوبية مون جاي-إن: "نحن في لحظة فاصلة. إذا لم نتعامل مع المشاكل الاقتصادية الماضيةـ وإذا مضينا قدمًا بحسب الوضع الحالي، فستزداد عوامل اللبس بشأن مسار النمو لدينا".
هذه القضية عزيزة على قلب الرئيس الذي تولى السلطة العام الماضي على خلفية تعهدات اقتصادية بتحسين سبل عيش الناس، وجعل كوريا الجنوبية دولة أكثر إنصافا.
الآن، بعد مرور أكثر من عام على فترة ولايته التي مدتها خمس سنوات، لم تكتسب خطط مون الاقتصادية زخمها بعد، وسط أرقام تأييد متدنية، حتى بدأ فيها الرئيس البالغ من العمر 65 عاماً في إظهار علامات القلق.
وقال في الآونة الأخيرة: "يجب أن نكون قادرين على الأقل على إعطاء الأمل للشعب بأن اقتصادنا سيتعافى".
يجادل المنتقدون بضرورة اتباع نهج أكثر التزاما بالأساسيات. يقول إيوم تشي سونغ، نائب الأمين العام لاتحاد الصناعات الكورية: "نحن بحاجة إلى تغييرات هيكلية شاملة على كل المستويات–المستوى المجتمعي، والمستوى الحكومي، والمستوى المؤسسي. نحن بحاجة إلى نوع من الثورة الروحية".
توجد في جوهر القضية الفكرة القائلة إن النموذج الاقتصادي لكوريا الجنوبية لم يعد يتمتع بالقدرة التنافسية.
على مدى عقود، ازدهر الاقتصاد – وازدهر المواطنون – على خلفية حفنة من التكتلات الصناعية، التي أثبتت مهارتها في "متابعة سريعة" لمخرجات التصنيع في الشركات الغربية واليابانية، عادة بأسعار أكثر تنافسية.
مدعومة بالدعم الحكومي، ألقت شركات مثل هيونداي وسامسونج نفسها في قطاعات مثل بناء السفن والسيارات والإلكترونيات، وأثبتت نجاحها الهائل في جميع أنحاء العالم.
في إحدى المراحل، كانت الصادرات تشكل أكثر من 55 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية. اليوم تبقى الصادرات قوية وتبلغ قيمتها أكثر من 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن الميزة التنافسية لكوريا الجنوبية تواجه الآن خطر التآكل، والجاني يجلس في الجوار: الصين.
يقول أوه سي جونغ، عضو الجمعية الوطنية: "قطاع التصنيع في كوريا الجنوبية في أزمة"، مشيرا إلى انخفاض الحصة العالمية لكوريا الجنوبية من بناء السفن والسيارات والصلب وحتى الهواتف المحمولة. في بناء السفن، على سبيل المثال، شهدت كوريا الجنوبية انخفاض حصتها في السوق في العقد الماضي من 35 في المائة إلى 24 في المائة، في حين تضاعفت حصة الصين، وفقا لبحوث وكالة كلاركسونز.
"لم تعد كوريا الجنوبية قادرة على المنافسة باستخدام مزايا المحرك الثاني.. بسبب التهديدات التنافسية من الصين والهند. ومن جانب آخر ليس لدى كوريا الجنوبية حتى المعرفة الفنية المتراكمة الخاصة بها" حتى تأتي بالجديد الحاسم.
هذه النظرة القاتمة منتشرة في جميع أنحاء البلاد، حيث عملت المراكز الصناعية على تسريح عشرات الآلاف من الموظفين.
كانت مدينة أولسان، موطن شركة هيونداي للصناعات الثقيلة والسيارات، واحدة من أسرع المدن نموا وأكثرها غنى في كوريا الجنوبية.
اليوم، باتت تمثل حزام الصدأ للأمة، والخسارة الإنسانية من الانحدار الاقتصادي واضحة في تزايد موجة محاولات الانتحار (نحو 200 حتى الآن هذا العام). يفر الشباب أيضًا: بعد أن تضاعف عددهم أربع مرات منذ سبعينيات القرن العشرين، بدأ سكان مدينة أولسان في الانخفاض في عام 2016.
أولسان مجرد واحدة من تسع مناطق وصفتها الحكومة "بمناطق أزمة صناعية" وخصصت دعما لها بقيمة مليار دولار.
كما تعمل سيئول على تنفيذ ميزانية تكميلية بقيمة 3.5 مليار دولار لإيجاد فرص عمل ومعالجة بطالة الشباب، التي لا تزال مستعصية على الحل عند نحو 10 في المائة.
غير أن النقاد استهزأوا بمثل هذه الإجراءات واعتبروا أنها مجرد نهج مؤقت، يهدف إلى دعم الصناعات التي هي بشكل أساسي غير مستدامة، بدلا من معالجة المشاكل الهيكلية الأساسية.
قال يانغ جون مو، أستاذ الاقتصاد في جامعة يونسي: "تحتاج كوريا إلى التركيز على البحث والتطوير وتأمين التقنيات المتطورة، ذلك أن المنافسين في الصين يتفوقون بسرعة على الشركات الكورية الجنوبية من خلال ضمان الاستثمارات الضخمة".
لي سو-هيون، وهو باحث مشارك في المعهد الآسيوي للدراسات السياسية، يردد صدى هذا الشعور قائلاً إن القضية الأساسية التي لا تتم معالجتها هي اعتماد البلاد على نموذج "الصادرات التي تقودها التكتلات الكبيرة" أي ما يعرف بـ"شيبول".

من يقرر الاستراتيجية الصناعية؟
"في النهاية، التكتلات هي التي تقرر الصناعات الاستراتيجية في كوريا، بدلا من أن تكون كوريا هي التي تقرر هذه الصناعات".
التصور الذي مفاده أن البلاد تعتمد على أكبر شركاتها تعزز هذا الشهر عندما كشفت شركة سامسونج – التي هي أكبر وأغنى تكتل في كوريا الجنوبية - عن خطة استثمار بقيمة 160 مليار دولار تهدف إلى تأمين النمو وسط التهديد المتصاعد من المنافسين الصينيين.
تم تخصيص نحو 100 مليار دولار من الأموال للنفقات الرأسمالية، مع توجيه الجزء الأكبر منها إلى نشاط تجاري واحد: أشباه الموصلات. في ظل الطلب القوي من شركات التكنولوجيا العالمية التي تحتاج إلى تخزين البيانات أكثر من أي وقت مضى، عززت رقائق الذاكرة من أرباح شركة سامسونج المرتفعة خلال العام الماضي. كما دعمت أيضا صادرات البلاد. وفقًا لمعهد هيونداي للأبحاث، بلغت نسبة أشباه الموصلات 20 في المائة من الصادرات حتى الآن هذا العام، ارتفاعًا من 12 في المائة في عام 2016.
على أن المجموعات الصينية تتطلع بشوق إلى هذا القطاع – ولديها دعم حكومي. بموجب خطة صنع في الصين عام 2025، أوضحت بكين أنها تريد أن تهيمن على صناعة التكنولوجيا المتقدمة.
يقول بيتر كيم، استراتيجي الاستثمار في وكالة ميراي است مانجمنت Mirae Asset Management في سيئول: "في جانب التصدير، لدينا مشكلة: أكبر عميل لنا (الصين) أصبح منافسنا. الشيء الوحيد الذي يصمد الآن هو أشباه الموصلات". من جانبها، وضعت إدارة مون استراتيجية اقتصادية مزدوجة. الأولى هي "النمو المدفوع بالدخل". دفع مون بالسياسات لتحسين ظروف العمل وزيادة الأجور على أمل أن يؤدي الاستهلاك المتزايد، إلى إطلاق دورة حميدة من العمالة والنمو. وقال "يون"، المستشار الاقتصادي للرئيس: "في الماضي، كان نمونا الاقتصادي مدفوعًا بالصادرات، ولكننا نشهد الآن نموا أكثر توازنا مع انتعاش الاستهلاك والنمو القوي للأجور".
هذه السياسة تواجه منذ الآن مقاومة من جحافل الشركات الصغيرة والمتوسطة غير المربحة إلى حد كبير، والتي لا تستطيع دفع زيادات في الأجور. كما أدت المستويات المرتفعة لديون الأسر – نحو 1.15 تريليون دولار – إلى التخفيف من الاستهلاك.
الشق الآخر لبرنامج مون الاقتصادي هو تعزيز ما تسميه إدارته "النمو الإبداعي". إدراكا منها للتهديد الذي تمثله الصين، أشارت سيئول إلى أنها سوف تسعى إلى تنفيذ عملية تحرير واسعة للقوانين والأنظمة من أجل تشجيع صناعات التكنولوجيا الفائقة "ذات القيمة المضافة" وتعزيز الإنتاجية، التي هي في بعض المقاييس تبلغ نصف المعدل في الولايات المتحدة.
الأمر المهم للغاية في هذه الجهود هو إنشاء ما يطلق عليه يون "ساحة لعب متكافئة" للشركات الناشئة والشركات الصغيرة، التي ظلت لفترة طويلة محبطة بسبب الهيمنة السوقية التي تتمتع بها تكتلات كوريا الجنوبية المترامية الأطراف – أي الشيبول.
"قدمت شيبول مساهمات كثيرة في تنميتنا الاقتصادية من خلال دفع الضرائب وإيجاد فرص العمل، لكنها الآن.. يأخذون مكاسب غير عادلة من خلال صفقات غير عادلة تتم داخل المجموعات. هذا يعوق المنافسة العادلة".
يقول كوون جو هون، الخبير الاقتصادي في بنك جولدمان ساكس، إنه متفائل بأن الاقتصاد الكوري الجنوبي يمكن أن يرتفع إلى أعلى سلسلة القيمة، نظرا لقطاع التكنولوجيا القوي فضلا عن سكانه المتعلمين جيدا. ومع ذلك، فإن الحل هو ما إذا كان بوسعها أن تحتضن العولمة "أكثر وليس أقل".
وقال: "ما ينبغي أن نراقبه ليس ما إذا كان هناك طريق بعينه (بالنسبة إلى شركات كورية جنوبية) تسلكه وما إذا كان صحيحا أم خطأ؟ بالأحرى كيف ينفذون ويتغيرون وما إذا كانوا منفتحين على طريقة جديدة لممارسة الأعمال، خاصة مع العولمة"، مشيرا إلى الفكرة السائدة بأن عددا قليلا من شركات كوريا الجنوبية هي بالفعل عالمية من حيث الآفاق والعمليات.
"لدى كثير من الناس الآن نظرة سلبية للعولمة، لكن في حالة كوريا التي تعاني رياحا معاكسة ديموغرافية، ستكون العولمة أمرا حاسما".
يبقى العامل السكاني واحدا من أكبر التحديات في كوريا الجنوبية التي فشلت الحكومات المتعاقبة في معالجته.
الأمة التي يبلغ تعداد سكانها 50 مليون نسمة لديها مجموعات سكانية هي الأسرع عالميا في بلوغ الشيخوخة. وبحلول عام 2060، سيكون أكثر من 40 في المائة من المواطنين فوق سن الخامسة والستين، بزيادة عن نسبة 13 في المائة الآن.
بلغت نسبة السكان الذين هم في سن العمل – بين 15 و65 سنة – ذروتها في عام 2016 بنسبة 73 في المائة، ومن المتوقع أن تنخفض إلى 50 في المائة بحلول عام 2060.
تقول إيدا زولي، الخبيرة الاقتصادية في صندوق النقد الدولي: "يواجه الاقتصاد الكوري عددًا من التحديات الهيكلية التي تعيق فرص نموه على المدى الطويل. العامل الرئيس هو التركيبة السكانية غير المواتية".
الأزمة الديموغرافية، مقترنة بتهديد الصناعة من الصين، تدفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن كوريا الجنوبية متجهة إلى فترة طويلة من انخفاض النمو والتضخم – وهو الوضع الذي شهدته اليابان على مدى العقدين الماضيين.
وقال بارك تشونغ هون، رئيس قسم الأبحاث في ستاندرد تشارترد في سيئول: "لا يمكننا تجنب ما عانته اليابان. الحل الآن هو كيف يمكننا تقليل تأثير اليابان وكيف يمكننا تأخير تأثير اليابان".
تقر زولي بأوجه التشابه بين كوريا الجنوبية واليابان، لكنها تشير إلى "ما كان يسمى بالعقود الضائعة" في اليابان.. نتيجة سلسلة من الصدمات الخارجية".
وتقول إن لدى كوريا الجنوبية عددا من أدوات السياسة المتاحة لتنشيط النمو، حيث تجادل بأنه يجب على سيئول أن تستخدم "حيزها الذي لا يستهان به في المالية العامة" لدعم إصلاحات سوق العمل والمنتجات: "تتمتع كوريا الجنوبية بواحدة من أفضل المراكز في المالية العامة بين الاقتصادات المتقدمة" على حد قولها.
هذه حقيقة يبدو أن المسؤولين الكوريين الجنوبيين على استعداد للإقرار بها أخيرا. تعهد وزير المالية كيم دونج يون يوم الخميس قبل الماضي بزيادة معدل إنفاق الموازنة بنسبة 7.7 في المائة العام المالي المقبل، بعد أن كان 5.7 في المائة خلال العام المالي الحالي.
وقال كيم، الخبير الاستراتيجي في الاستثمار: "الأمر الإيجابي في كل هذا هو عندما تُحاصَر كوريا في زاوية أزمة، فإنها تبرز أفضل ما في (الناس)" مشيرا إلى تجربة البلاد خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، عندما تبرع آلاف المواطنين بالمقتنيات من الذهب لمصلحة الحكومة، للمساعدة على تجاوز عاصفة المضاربة النقدية العاتية. "نحن مضطرون دائمًا للقتال" حسبما أشار.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES