تحديات شح المياه

|

شهد استهلاك المملكة من المياه زيادة متواصلة خلال السنوات الماضية، حيث ارتفع من نحو 17.6 مليار متر مكعب في 2009 إلى 23.9 مليار متر مكعب في 2016، أما في عام 2017 فقد تراجع استهلاك المملكة من المياه الإجمالي بنسبة 2 في المائة مقارنة بالعام الذي قبله. قدرت بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة استهلاك المملكة من المياه بنحو 23.4 مليار متر مكعب في 2017، ذهب 82.3 في المائة للأغراض الزراعية، بينما لم يتجاوز استهلاك الأغراض البلدية 13.5 في المائة أما الباقي فحصة القطاع الصناعي. نما استهلاك القطاع البلدي بنسبة محدودة في 2017 بلغت 1 في المائة بينما تراجع الاستهلاك الزراعي والصناعي بنسبتي 3 في المائة و1 في المائة على التوالي. عموما شهدت الفترة 2009 - 2017 زيادة كبيرة في الطلب على المياه، حيث ارتفع الاستهلاك البلدي بنحو 48 في المائة خلال الفترة، بينما نما استهلاك القطاعين الزراعي والصناعي بنحو 30.2 في المائة و40.0 في المائة على التوالي. يأتي هذا النمو نتيجة للنمو السكاني والاقتصادي والحضري في المدن والقطاعات الاقتصادية.
يقل استهلاك الفرد من الماء لجميع الأغراض سنويا عن 1000 متر مكعب، لهذا يصعب على المملكة - كما هي الحال في معظم العالم العربي - تحقيق أمن غذائي للسكان بمواردها المائية الذاتية. يلبى معظم استهلاك المملكة من المصادر الجوفية غير المتجددة، وهذا يجعل المملكة فقيرة في المياه المتجددة. لا توجد أنهار ولا بحيرات دائمة في المملكة، لهذا فإن معظم المياه المتجددة تأتي من التدخل البشري عن طريق تحلية مياه البحر والسدود. حققت المملكة نجاحات كبيرة في مجال تحلية مياه البحر، حيث وفرت محطات التحلية نحو 2.2 مليار متر مكعب في عام 2017. أسهمت هذه المياه في تلبية نحو 69 في المائة من إجمالي استهلاك المياه البلدية الموزعة "معظمها سكني". ترتفع تكاليف تحلية المياه، لهذا ليس من المجدي اقتصاديا استخدامها للأغراض الزراعية، كما تقلل تكاليفها الباهظة في الوقت الحالي من تنافسية القطاع الصناعي المستخدم لها.
طموحات المملكة التنموية والتطورات التاريخية لاستهلاك المياه تؤكد الحاجة إلى زيادة موارد المياه بنسب مرتفعة خلال السنوات المقبلة لمواجهة الطلب المتنامي. سيولد هذا الأمر ضغوطا كبيرة على الموارد الحالية المتمثل معظمها بالمياه الجوفية، وقد يصعب تلبية الطلب المتوقع بهذه الموارد. لو استمرت معدلات النمو الحالية في استهلاك المملكة، لتضاعف حجم الطلب خلال العقدين أو الثلاثة المقبلة. يعد شح المياه من معوقات النمو الاقتصادي، خصوصا في القطاع الزراعي وإلى حد أقل في القطاع الصناعي واستغلال الثروات المعدنية التي تحظى بها المملكة.
السياسات الاقتصادية المتمثلة في رفع الأسعار ستنجح في الحد من معدلات نمو الاستهلاك البلدي وترشيد الاستهلاك، خصوصا على الأمد البعيد، لكنها في الوقت نفسه ستضيف أعباء معيشية على السكان. معدلات الاستهلاك المنزلي من المياه لن تنخفض بحدة بسبب زيادة الأسعار، لأن المياه مادة أساسية تنخفض مرونتها السعرية. عموما، لن تكون السياسات الاقتصادية وحدها كافية لمواجهة تحديات شح المياه، ولا بد من توفير موارد إضافية لتلبية نمو الطلب المتوقع. تعاملت دول العالم بسياسات مختلفة مع قضايا شح المياه وتراكمت لديها خبرات وتجارب مفيدة يمكن الاستفادة منها، لكن لا بد من تكييفها مع الاعتبارات المحلية والتركيز على تجارب المناطق المشابهة مناخيا للمملكة في الدول المتقدمة. ستسعى المملكة حتما إلى التصدي لإشكالية شح المياه والاستفادة من تجارب الدول الأخرى، خصوصا في مجال إعادة ترتيب إدارات المياه ورفع مشاركة المجتمعات المحلية في إيجاد حلول مناسبة لبيئاتها.
هناك ثقة كبيرة في تطور قدرات المملكة لمواجهة قضايا شح المياه، التي ينبغي أن تشمل بدرجة أكبر تطوير تقنيات إنتاج واستهلاك وتوزيع المياه. نجحت بعض الدول في خفض تكاليف تحلية المياه إلى ما يعادل ريالين للمتر المكعب، والمملكة قادرة - بإذن الله - على استخدام مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، كالطاقة الشمسية، في خفض تكاليف تحلية المياه وخفض أسعارها وتكاليفها للقطاعين السكني والصناعي. أما بالنسبة للقطاع الزراعي، فنحتاج إلى طفرات تقنية حقيقية لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني بالموارد الحالية أو باستخدام مياه البحر المحلاة وغير المحلاة. سيساعد التركيز المتزايد على البحث العلمي وتطوير الخبرات واستغلال العقول في مجال المياه في تمكين هذه البلاد من التغلب على تحديات شح المياه، خصوصا مع تزايد الطلب المتوقع والتغيرات المناخية التي تعصف بدول العالم.

إنشرها