نظام الإفلاس لتعزيز الثقة والإيجابية بالاقتصاد السعودي

|

تعد الاضطرابات المالية في أي مؤسسة اقتصادية أمرا شائعا جدا في عالم الأعمال، وإذا كانت قواعد التمويل تشير إلى أنه يجب المحافظة على توازن نسبي بين رأس المال والديون، حيث يتم تمويل ثلث الأصول من خلال الديون وهو ما يسمى "الرفع المالي"، لذا فلا مفر لأي مؤسسة من تحمل هذه الخصوم وتحمل مصروفات خدمتها، ولا مشاكل عادة إذا استمرت المؤسسة في خدمة الدين، لكن مع بعض الظروف الاقتصادية الكلية أو الجزئية قد تتعثر المؤسسات الاقتصادية في مقابلة تلك المصروفات، وهو ما يجعل الدائنين في قلق كبير حيال مقدرة الشركة على السداد، لذا قد يطالبون الشركة بالسداد الفوري للقروض، ورفع القضايا من أجل منع الملاك من التصرف في الأصول حتى يتم استيفاء حقوق الدائنين، وفي غياب أي تشريع واضح لمواجهة قضايا الإفلاس التي من هذا النوع فقد يتم تعريض كثير من المؤسسات الاقتصادية لخسارة التوقف النهائي والتصفية بسبب هذه القضايا، بينما لو تم منح إدارة المؤسسة فرصة للعمل تحت إشراف قضائي كامل، فإنه بالإمكان حل معظم المشاكل المالية وضمان استمرار المنشأة. عدم وجود مثل هذا التشريع الذي يحمي من الإفلاس تحت ضغط الدائنين يتسبب للاقتصاد بخسائر كبيرة، خاصة إذا كانت المؤسسات الاقتصادية التي تعرضت للهزة المالية مؤسسة عملاقة يعمل لديها الآلاف من العمال.
وبينما هناك تجارب عالمية لهذا النوع من التشريعات التي تحمي من الإفلاس بمنح الإدارة فرصة ووقتا لمعالجة الأزمة بعيدا عن ضغوط الدائنين، فقد أثبتت تلك التجارب قدرتها على إنقاذ هذه المؤسسات، وفي الوقت نفسه حافظت على حقوق الدائنين، ولعل أخبار الشركات الأمريكية وهي تعلن استخدامها للفصل الحادي عشر من قانون الإفلاس الأمريكي، الذي تم من خلاله إنقاذ شركات عملاقة مثل جنرال موتورز بعد الأزمة المالية العالمية. القضية الأساس في السعي نحو حماية المؤسسات من الإفلاس هي القدرة على التمييز بين المؤسسة الجادة، التي تعرضت لمجرد هزة مالية، والمؤسسة الفاشلة التي فقدت قدرتها فعليا على الاستمرار، هنا يقوم التشريع الذي يحمي من الإفلاس بدوره المهم في مثل هذا التمييز. ولقد عانت المؤسسات التجارية في المملكة من هذين النوعين من المشاكل، فهناك مؤسسات تفقد قدرتها على الاستمرار بسبب ضغوط الدائنين، بينما هي قادرة على البقاء والوفاء لو منحت بعض الوقت، وبين مؤسسات تماطل الدائنين لكسب بعض الوقت من أجل التصرف في الأصول ومنع الدائنين من حقوق الأولوية في التصفية، ومع بدء تطبيق نظام الإفلاس الذي أقره مجلس الوزراء في شباط (فبراير) الماضي، تكون السعودية قد دخلت مرحلة جديدة توفر مظلة لحماية بيئتها الاستثمارية وتعزيز النشاط الاقتصادي وجذب مستثمرين.
ونظام الإفلاس الذي يدخل حيز التنفيذ، يمنح المؤسسات التجارية والمؤسسات التمويلية خيارات واسعة لمعالجة مشكلة الديون، فهناك فصل للتسوية الوقائية، وفي هذا النوع يتقدم رجل الأعمال صاحب المؤسسة التجارية لحمايته من الدائنين مع بقائه مديرا للمؤسسة، فهو بهذا يحمي المؤسسة ويحمي إدارته لها، بينما فصل التنظيم المالي عادة يتقدم به الدائنون لشكهم في قدرة الملاك على إدارة المؤسسة، ولهذا يطالبون بإشراف إداري، فهناك حماية للدائنين ومنح فرصة للمؤسسة من أجل البقاء، وهناك فصل عن التصفية، وهو حق الدائنين في الأصول من خلال إجبار الملاك على تصفية المؤسسة، فالأول حماية للمالك والمؤسسة والدائنين، والثاني حماية للمؤسسة والدائنين، والثالث حماية للدائنين كحق أولي، والقضاء هو الذي يحسم الأمر في كل طلب من هذه الممارسات بحسب الأدلة التي تقدم إليه، ووفقا لإجراءات واضحة في النظام، وتقوم وزارة التجارة والاستثمار بالإشراف على تطبيق هذا النظام من خلال لجنة الإفلاس، ومن مزايا النظام أنه يهتم أيضا بصغار المدينين، من تسوية وقائية أو إعادة التنظيم المالي أو التصفية.
نظام الإفلاس نظام صارم جدا، هدفه حماية المؤسسات التجارية وكذلك حماية حقوق الدائنين، فإذا تصرف المدين في أي من أصول المؤسسة بالمخالفة لحكم النظام، فللمحكمة استرداد الأصول، كما أن "مقترح التسوية" يتم بآلية تأخذ رأي كل فئة من فئات الدائنين، ولهذا يمكن النظر إلى النظام بأنه نقلة نوعية في تنظيم الأعمال والعلاقات التجارية بين المؤسسات، بما يضمن سلامة الاقتصاد ويدعم الثقة فيما بينها، وهو الأمر الذي سيعزز من مكانة الاقتصاد السعودي عالميا، وسينعكس تطبيق هذا النظام على مؤشرات الاقتصاد السعودي إيجابيا.

إنشرها