FINANCIAL TIMES

أوروبا الوسطى تفضل عمالة الفلبين لتجاوز الانكماش

عندما كان جان فروبليفسكي يجوب السوق بحثا عن موظفين لسلسلة فنادقه عبر بولندا هذا العام، خاطبته إحدى الشركات بمقترح غير متوقع: لماذا لا نملأ الشواغر بعمال من الفلبين؟
في البداية، فكرة استقدام الموظفين من بلد يبعد نحو عشرة آلاف كيلومترات بدت "غريبة"، كما يتذكر فروبليفسكي، لكنه الآن يأمل في التوصل إلى اتفاق مع تلك الشركة.
وكما يقول: "بدأنا في تحليل الأمر... واتضح أن الفرق بين البولنديين والفلبينيين ليس كبيرا. إنهم كاثوليك، لذلك نعتقد أنهم سيندمجون في المجتمع المحلي على نحو أفضل"، مشيرا إلى مجتمعين غالبية أهلهما من المذهب نفسه. ويضيف: "الآن نفكر في عقود أكبر".
تجربة فروبليفسكي هي مثال على حالات الإجهاد التي أخذت بالظهور في الاقتصادات المزدهرة في أوروبا الوسطى، حيث بلغت البطالة مستويات دنيا قياسية والنقص في اليد العاملة بدأ يسبب الألم.
منذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004، حققت بولندا والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا مكاسب اقتصادية ضخمة من خلال مطابقة رأس المال من الشركات متعددة الجنسيات بعمال محليين رخيصين ومتمرسين.
كان تحول منطقة شوهتها الإدارة الشيوعية السيئة لمدة 40 سنة واحدا من أكبر نجاحات الاتحاد الأوروبي، لكن مع ازدياد حدة ندرة العمال، أصبح من الصعب الحفاظ على هذا النموذج، وتقترب المنطقة من مفترق طرق.
يقول فيتولد أورلوفسكي، كبير المستشارين الاقتصاديين لدى شركة برايس ووترهاوس كوبرز في وارسو: "استفاد نموذج النمو السابق من احتياطيات العمالة المتاحة، التي كان ينبغي توظيفها بشكل أفضل. كان الشيوعيون مسرفين لدرجة أن الأمر احتاج إلى نحو 25 عاما لإعادة توظيف رأس المال البشري الذي نمتلكه بالكامل".
"لقد أصبحت بلدان أوروبا الوسطى تواجه الآن هذه المشكلة (نقص اليد العاملة)، أو تقترب ببطء من ذلك. وهذا يعني أنهم سيحتاجون إلى تغيير نموذج نموهم. هذا واضح".
الجانب الإيجابي للتحول الناجح في النموذج الاقتصادي سيكون كبيرا: أجور أعلى للسكان الذين ينظرون بحسد إلى مستويات المعيشة في أوروبا الغربية.
على أن الخطر هو أنه إذا ارتفعت الأجور بوتيرة أسرع من الإنتاجية، فإن المنطقة لن تجتذب الاستثمار الأجنبي الذي دعم اقتصاداتها لمدة عقدين.
حتى الحديث عن نقص اليد العاملة في أوروبا الوسطى سيشكل مفاجأة لكثيرين في بقية الاتحاد الأوروبي، الذي شهد تدفق المهاجرين من المنطقة في العقد الماضي، وشوهد كثير من قادة أوروبا الوسطى يعارضون بشدة الخطط الرامية إلى إيواء مزيد من اللاجئين.
كان العدد الكبير من العمال في المملكة المتحدة من بلدان مثل بولندا، أحد القضايا الأساسية وراء الاستفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، فإن النقص في العمالة الذي ينتشر في أوروبا الوسطى هو نتيجة للتراجع الديموغرافي والنجاح الاقتصادي.
بعد أن بلغ تعداد سكان المنطقة ذروته في أواخر التسعينيات، بدأ يتقلص الآن، حيث تراجع بسبب الهجرة ومعدلات المواليد المتناقصة. من المرجح أن يتفاقم هذا الاتجاه.
ووفقا لتوقعات الأمم المتحدة، فإن عدد سكان بولندا والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا مجتمعة – المعروفة باسم فيسيجراد أربعة أو V4 – سينخفض من نحو 64 مليونا في عام 2017 إلى 55.6 مليون بحلول عام 2050 أي بنحو 13 في المائة. وخلال هذه الفترة، لن تشهد أي منطقة في العالم انخفاضا أسرع – على الرغم من أن بعض البلدان، مثل اليابان، ستشهد حتى انخفاضات أكثر حدة.
وفي الوقت نفسه، تسارعت وتيرة النمو الاقتصادي في المنطقة، مدعومة بارتفاع معدل الاستهلاك الخاص، وأسعار الفائدة المنخفضة للغاية، ومليارات اليورو من التمويل من الاتحاد الأوروبي.
تدفق المستثمرون الأجانب على المنطقة، تغريهم معدلات النمو الأسرع من أوروبا الغربية، حيث تنتشر المصانع الحديثة والمباني المكتبية المصنوعة من الفولاذ والزجاج ومراكز التسوق الجديدة الأنيقة من جدانسك إلى جيور.
في الوقت الحالي، تستمر هذه البلدان الأربعة في الازدهار. ومن المتوقع أن تتوسع اقتصاداتها بنحو 4 في المائة هذا العام. يعتزم كل من مصرفي جيه بي موجان وستاندرد تشارترد بناء مكاتب جديدة في وارسو. ستقوم شركة جاغوار لاند روفر، أكبر شركة لصناعة السيارات في بريطانيا، بتحويل إنتاج سيارة لاند روفر ديسكفري إلى مصنعها الجديد الضخم في غرب سلوفاكيا. الشركتان المنافستان الألمانيتان ديملر وبي إم دبليو تعملان على إنشاء مصانع جديدة في المجر.
مع ذلك، قدرة المنطقة على توفير العمال لإبقاء هذه المصانع قائمة على وشك أن تقترب من حدودها. في الأشهر الثلاثة المنتهية في حزيران (يونيو) الماضي، قالت 86.6 في المائة من الشركات الصناعية في المجر إن نقص العمالة سيحد من إنتاجها في الربع المقبل، وفقا لما ذكرته وكالة يوروستات. في بولندا، كان الرقم 49.7 في المائة، وفي جمهورية التشيك كان 43.2 في المائة – وفي كلتا الحالتين المستوى هو ضعف المستوى الذي كان عليه قبل عامين.
هذه الضغوط تغذي معركة شرسة للحصول على الموظفين. كانت تكاليف العمالة في المجر في الربع الأول أعلى بنسبة 10 في المائة عن العام السابق. وفي جمهورية التشيك، ارتفعت بنسبة 9 في المائة، وفي سلوفاكيا بنسبة 8.5 في المائة، وفي بولندا بنسبة 8 في المائة.
في بعض القطاعات، أصبحت المنافسة شرسة للغاية لدرجة أنها بدأت في تعطيل الأعمال. وتقول كاتارزينا جيجر، من المجموعة اللوجستية الهولندية رابين، النشطة في جميع أنحاء أوروبا الوسطى، إن العملاء أخبروها عن حالات لم يحضر فيها سائقون من شركات أخرى للعمل، بعد أن حصلوا على أجور أفضل في أماكن أخرى.
وتقول: "كنا نتلقى مكالمات من عملاء يسألون عما إذا كانت لدينا أي موارد متاحة، لأن الشاحنات التي طلبوها لم تأت إليهم أصلا".
في قطاعات أخرى، يخشى التنفيذيون من حدوث عواقب أسوأ حتى من قبل.
يقول داريوش بلوتشر، الرئيس التنفيذي لشركة بوديميكس Budimex، أكبر مجموعة إنشاءات في بولندا من حيث الإيرادات، إنه يتعامل "كل يوم" مع مقاولين من الباطن يعانون في سبيل إكمال المشاريع في الوقت المحدد بسبب نقص الموظفين. ويضيف أنه في بعض الحالات، قد يؤدي الجمع بين ارتفاع الأجور والتكاليف المادية والشروط الصارمة المتعلقة بالعقود العامة إلى دفع الشركات إلى الإفلاس.
"نظرا لانخفاض معدل البطالة، فإن الناس لديهم كثير من الفرص للعثور على عمل مع مبلغ لا يصدق من المال، لأن الشركات مستميتة وتعرض أحيانا مضاعفة الراتب في حالة تغيير الوظيفة... هناك ضغوط هائلة لزيادة الأجور".
على المدى القصير، تحاول بلدان المنطقة تعزيز إمداداتها من العمالة. تحاول المجر القيام بذلك إلى حد كبير عن طريق توفير حوافز لزيادة مستويات المشاركة في القوى العاملة. قال زولتان كوفاكس، متحدث باسم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان: "نحن نعتقد أنه إذا كنت تعتمد على سكان بلدك... بيئة الهوية الخاصة بك... فإن ذلك سيكون ميزة اقتصادية"، مضيفا أن الحكومة لا تنوي استخدام المهاجرين إما "كحل ديموغرافي أو كحل في سوق العمل".
ينظر الأعضاء الآخرون في V4 بشكل متزايد إلى الخارج من أجل تخفيف المشكلة. بولندا – أكبر اقتصاد في المنطقة – ذهبت إلى أبعد من الجميع.
في العام الماضي، أصدرت 1.7 مليون تسجيل عمل قصير الأجل لمواطنين من جارتها الشرقية. وهي في سبيلها إلى إصدار حتى مزيد من التسجيلات في عام 2018.
وتقدر الشركات أنه ما بين مليون ومليونين من الأوكرانيين يعملون الآن في بولندا، التي أصبحت، لكن بشكل أقل وضوحا، واحدا من أكبر بلدان أوروبا من حيث المهاجرين.
يقول ماسيج فيتوكي، الرئيس التنفيذي في وكالة ويرك سيرفس Work Service، وهي مجموعة لتزويد الموظفين تعمل في جميع أنحاء أوروبا الوسطى: "لولا الأوكرانيون، لكنا الآن في ورطة كبيرة".
معظم الأوكرانيين في بولندا موجودون هناك مؤقتا. مع ضغط الشركات للسماح لهم بالبقاء لفترة أطول، تعمل الحكومة الآن على إجراء إصلاح شامل للهجرة يسمح للأوكرانيين – وبعض الأجانب الآخرين المختارين، ومعظمهم من بلدان أوروبا الشرقية – بالقدوم للعمل في بولندا لفترة أطول.
وهي تدرس أيضا الخطوة الأكثر تطرفا الرامية إلى تخفيف القواعد بخصوص العمال من بعض البلدان الآسيوية، مثل فيتنام والفلبين.
ومع ذلك، في منطقة تضم بعض أكثر بلدان الاتحاد الأوروبي من حيث التوافق العرقي، وحيث يسعى السياسيون بشكل روتيني إلى كسب رأس المال السياسي عن طريق مهاجمة الأجانب، حتى التغييرات الصغيرة يمكن أن تكون مثيرة للجدل.
كرزيستوف بوساك، نائب رئيس الحركة الوطنية اليمينية المتطرفة في بولندا، قال في تغريدة في حزيران (يونيو) الماضي، إن أي حكومة تجعل الهجرة جزءا من نظامها الاجتماعي والاقتصادي ستكون "حكومة خيانة وطنية. من الأفضل أن يتراجع عدد السكان وتتباطأ التنمية بدلا من اللجوء إلى الهجرة والتحول السكاني".
يقول بافيل كاكزمارتشيك، مدير مركز أبحاث الهجرة في جامعة وارسو: "إذا نظرت إلى البيانات المتعلقة بالمواقف العامة تجاه الهجرة، فيبدو الأمر أن السكان البولنديين يصبحون بشكل متزايد أقل تسامحا".
ويضيف أنه يوجد "توتر مطلق بين الاحتياجات المتنامية للاقتصاد البولندي والمواقف السلبية اتجاه المهاجرين".
مع تصاعد المواقف المماثلة بشأن المهاجرين في جميع أنحاء المنطقة، ونظرا للآفاق الديموغرافية السيئة في أوكرانيا نفسها، يعتقد معظم المراقبين أنه على المدى الطويل، فإن أفضل فرصة في أوروبا الوسطى للتخفيف من تأثير نقص العمالة لديها ستكون في التحول عن نموذجها الحالي للنمو الذي يقوم على العمالة الرخيصة، التي ساعدت المنطقة على مدى العقدين الماضيين. بدلا من ذلك، ستحتاج إلى تطوير صيغة جديدة مبنية على أسس مختلفة جدا: استثمار أكثر في التكنولوجيا والابتكار، وأجور أعلى ونظام تعليم أكثر تطورا.
إلى حد ما، بدأ هذا التحول منذ فترة. من عام 2014-2016، قفزت مبيعات الروبوتات الصناعية إلى المنطقة بنسبة الثلثين، وذلك وفقا لبيانات الاتحاد الدولي للروبوتات.
يقول جودرون ليتزينبيرجر، الأمين العام للاتحاد، إن هذا الرقم "زاد مرة أخرى بشكل لا يستهان به" في عام 2017.
يقول بلوتشر إن شركة بوديميكس Budimex بدأت في تقليص الأنشطة في المجالات ذات العمالة الكثيفة، مثل البناء السكني، والتركيز على مشاريع السكك الحديدية والتكنولوجيا المائية التي تنشر مزيدا من الآلات: "هذه العقود أكبر، ويجب أن يكون لديك كثير من الآلات الإنتاجية للغاية، لذلك هذا هو ما نحاول القيام به. إنه أمر مؤسف لأنني أرى أن اتجاه السوق هو نحو مجالات أكثر كثافة من حيث العمالة، لكن لا يمكننا زيادة تعرضنا، فهو أمر جنوني"، على حد قوله.
للحفاظ على هذا التحول، ستحتاج المنطقة إلى مزيد من العمال من ذوي المهارات العالية. وهذا، بدوره، سيتطلب من أنظمة التعليم المحلية أن تقوم بعمل أفضل في إعداد الطلاب لهذه المهن، وهو تغيير سيستغرق بعض الوقت لتحقيقه.
يقول رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيس: "يجب علينا أن نحث الشباب على الذهاب إلى الكليات التقنية. نحن بحاجة إلى إصلاح النظام".
ستصبح هذه الضغوط لإعداد عمال من ذوي المهارات العالية أكثر حدة مع اقتراب الأجور في أوروبا الوسطى من تلك الموجودة في أوروبا الغربية، وهو اتجاه، على الرغم من أنه مرغوب فيه، سيقلل من حافز الشركات متعددة الجنسيات لمواصلة نقل المصانع إلى أوروبا الوسطى.
البعض في المنطقة يخشى أن هذا التغير الحركي يمكن أن يؤدي إلى أن يعمل المستثمرون الأجانب على تحويل استثماراتهم نحو مسافات أبعد إلى الشرق.
على أن ريتشارد جريفسون، وهو اقتصادي لدى معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية، يقول إنه يتوقع أن يبقى المستثمرون الدوليون في البلدان التي يوجدون فيها الآن، جزئيا لأنهم أصبحوا الآن مستثمرين في المنطقة.
ويقول: "جمهورية التشيك وسلوفاكيا هما بجانب ألمانيا والنمسا تماما. في سياق سلاسل الإمداد التي تقوم على التوريد في الوقت اللازم، فإن هذا النهج، إلى جانب البنية التحتية الأفضل في أوروبا الشرقية، في مقابل الذهاب مسافات أبعد نحو الشرق والجنوب، هو ميزة.
الشركات الغربية في المنطقة أمامها قرار مهم يتعين عليها اتخاذه، لكن إحساسي هو أنها ستدفع أجورا أعلى وتستثمر المزيد من أجل زيادة الإنتاجية".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES