مسار هادئ للنقد السعودي نحو المدفوعات الرقمية

|

تاريخ العملة في المملكة يمثل واحدا من أهم نماذج النجاح في الاقتصاد السعودي، فالمملكة التي خرجت في منتصف القرن العشرين من ملحمة التوحيد الكبرى، واجهت تحديات هائلة بقيادة المؤسس - يرحمه الله -، وجدت نفسها أمام متطلبات اقتصادية جديدة وغير معهودة في الجزيرة العربية، ولم تكن الخبرات متوافرة، ومع ذلك مضى المؤسس في طريقه معتمدا على الله، فصدر أول نظام سعودي للنقد في عام 1928 تحت اسم "نظام النقد الحجازي النجدي" وسك بموجبه الريال العربي الذهبي بحجم ووزن، وفي عام 1935 تم سك ريال فضي، وصدر أول مرسوم بأول عملة سعودية عام 1952، وكانت على شكل جنيه ذهبي. كل هذه المراحل كانت تتبع النموذج الاقتصادي الذي يرى العملة تقاس بما تحتويه من ذهب، أو بما تعادله من ذهب، ولم يمض وقت طويل قبل أن يتم إصدار نظام النقد السعودي الذي أجاز إصدار العملة الورقية الرسمية في 1959، وهي الورقة التي تمتعت بصفة التداول القانوني والإبراء الكامل للديون والمدفوعات الخاصة والعامة. من الواضح جدا أن السياسة الاقتصادية السعودية لم تكن تأتي على شكل صدمات، بل تهتم بالثقافة السائدة وتراعي المصالح العامة والخاصة، وفي مجتمع بالكاد بدأ يشعر بوحدته وكينونته، واستقلاله، فإن تحولا واسعا وسريعا وصادما نحو العملة الورقية لم يكن ليحقق نجاحا كبيرا، لكن من الواضح جدا أن السياسة النقدية في المملكة كانت منفتحة على التطوات الاقتصادية من حولها، وإن بدت التحولات في ذلك الوقت غير متعجلة.
يقف الاقتصاد السعودي في هذا العصر كأحد أكبر اقتصادات العالم، وفي يده مفاتيح الطاقة والنمو العالمي، ويعد الريال السعودي عملة مهمة، لأنه يعكس سلوك الاقتصاد السعودي الذي أصبح يدار باحتراف كبير على يد نخبة من أفضل الكفاءات السعودية، ومنذ الإصلاحات الاقتصادية التي تبناها الملك عبدالعزيز في السياسة النقدية، التي تطلبت إنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي، وما تضمنته هذه السياسات من استقلال المؤسسة بشكل يضمن عدالة تنفيذ السياسات النقدية وبما يضمن مصداقية الاقتصاد السعودي ويضمن سلامة أدائه، فقد تلاحقت التطورات بشكل سريع بعد أن تم تبني العملة الورقية وتقبلها المجتمع بنجاح، حتى وصلنا اليوم إلى مرحلة أنظمة المدفوعات الرقمية، فقد أعلنت مؤسسة النقد تفعيل المدفوعات الرقمية لتسهيل الدفع والشراء من خلال خدمة المحافظ الرقمية عبر الهاتف الجوال والهواتف الذكية. وهذا بلا شك تحول كبير وجوهري في شكل العملة وطريقة التداول القانوني والإبراء الكامل للديون والمدفوعات الخاصة والعامة، ومن يعود بالنظر إلى الوراء حتى عام 1952، فإنه حتما سيرى التحولات المذهلة وتقبل المجتمع لها في فترة ليست بالطويلة في عمر الأمم والحضارات، ويرى القفزات الاقتصادية والمالية والنقدية الهائلة جدا، ويرى كفاءات سعودية مذهلة.
ليس من الصعب اليوم على أحد فهم آلية استخدام الأدوات الإلكترونية الجديدة في تنفيذ المدفوعات الرقمية، فمنذ ظهور أجهزة الصرف الآلية، وبطاقات الائتمان وبطاقات الدين، كان من السهل توفير النقد الورقي عند الضرورة دون الحاجة إلى حمله والتعرض لخطر تلفه وضياعه، لكن التطورات المذهلة في هذا الجانب حدثت مع الوقت وبسرعة حتى أصبحت رؤية أجهزة "مدى" للمدفوعات، أو ما تسمى نقاط البيع، أمرا مألوفا جدا حتى في المحال التجارية الصغيرة جدا بعد أن كانت خاصية للمؤسسات الكبيرة الحجم، وبعد أن كان الدفع من خلال هذه البطاقات يتم فقط للمبالغ الكبيرة، أصبح من المعتاد استخدامها اليوم حتى في شراء الخبز. ومع إعلان مؤسسة النقد تفعيل المدفوعات الرقمية عبر الهاتف الجوال والهواتف الذكية، فإن حمل البطاقات الإلكترونية نفسها قد أصبح مجرد مرحلة تاريخية من مراحل التطور المذهلة في تاريخ النقد السعودي. فلم تعد هناك حاجة إلى حمل هذه البطاقات طالما يحمل أحدنا جواله. وهكذا تصبح ثروتنا كاملة نحملها في جوالاتنا، ويمكننا استبدالها في أي وقت بما نريد. لم يعد هنا قلق حتى من ضياع جوالاتنا، فهذه التطبيقات الرقمية أصبحت متوافرة، يمكن تحمليها على أي جهاز نقتنيه. والحق يقال، إنه كان من المستحيل الوصول إلى هذه المرحلة المتطورة جدا ويقبلها المجتمع دون قلق، لولا أن المملكة - بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان - قد أطلقت برنامج التحول الرقمي، كأحد البرامج الأساسية لتحقيق "رؤية المملكة 2030"، بهدف اقتصاد رقمي ذي صناعة مبنية على الثورة الصناعية الرابعة، لإيجاد بيئة عامرة لدعم المبادرات والإبداع وريادة الأعمال في المجتمع، بهدف الوصول إلى المجتمع الرقمي وتطوير الخدمات العامة، بصورة لم تكن قابلة حتى للتصور عندما وضع المؤسس أول لبنة لهذا الصرح العظيم.

إنشرها