هل تعالج الصداقة المستعارة أمراض العصر؟

|

على قدر ما وفرته الحياة المعاصرة من إمكانات تقنية تسهل التواصل بين الأقارب، والتعارف بين الأفراد أيا كانت أماكن وجودهم، وخلفياتهم الثقافية والدينية، ومستوياتهم التعليمية، وأعمارهم، إلا أن هذه الإمكانات المادية لم تمنع ما حدث من تصدع في العلاقات الاجتماعية؛ فطبيعة الحياة، وانشغال الناس في سباق حاد إلى كسب الرزق، وتنافس لا حدود له، ولهث منقطع النظير، كل هذه عوامل أدت إلى برود في العلاقات، وفقدان لقيم التواد والتراحم والتآزر ومشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم.
صورة الواقع المعيش السابق الإشارة إليها، ما من شك أنها نسبية، تزيد وتنقص من مجتمع إلى آخر؛ حسب المستوى المدني الذي حققه المجتمع من حيث التعقيد أو عدمه، ولا أقول المستوى الحضاري؛ لأن الحضارة في معناها الحقيقي تعني التماسك المجتمعي، وحضور القيم في تفاصيل الحياة اليومية للناس، كاحترام الكبار، والعطف على الصغار، والتعاون بين الناس، والتواصل الفعال مع الآخرين، خاصة الأقارب والجيران، مع القدرة على إقامة العلاقات، وكسب الصداقات.
التأمل في واقع حال المجتمعات يكشف معاناة كثير من الناس الوحدة النفسية، والفوبيا الاجتماعية، بل إن بعضهم يشعر بالوحشة والغربة الاجتماعية، وعدم القدرة على التكيف مع معطيات الحياة الجديدة، ونمط الحياة المعقد الذي وفد مع المستجدات الاقتصادية والتقنية، وشيوع وسيطرة التفكير المادي، بصورة أخرجته من وضعه الطبيعي إلى مستوى الجشع المؤدي إلى تقديم الكسب الشخصي حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين، وعلى حساب العلاقات الاجتماعية والإنسانية، ما أضعف الوشائج، والتفاعل بين الناس حتى بين الأقربين.
من الظواهر السلبية للحياة المعاصرة ما انتشر أخيرا في اليابان، حيث ظهر نشاط جديد يتمثل في تأجير الأصدقاء، ويتم الإعلان له في وسائل التواصل الاجتماعي لمن يرغب في كسب أصدقاء، مؤقتين، يحضرون لساعات، يقضونها مع فرد، ليس له أصدقاء حقيقيون، ودور هؤلاء الادعاء والتظاهر بالصداقة لمن يرغب في الخدمة، وبالطبع الخدمة ليست مجانية، بل مدفوعة الثمن. في اليابان، يوجد ما يقارب 40 في المائة‏ من الشعب الياباني يعيش بمفرده، بعيدا عن العائلة، بل ربما كان منقطع العلاقة معهم، ما يحرمه مشاركتهم مناسبة مفرحة، كتخرج في جامعة، أو حفل عيد ميلاد، لذا جاءت خدمة الأصدقاء المستأجرين لسد هذه الثغرة الناجمة عن خلل في البناء الاجتماعي الضعيف، الناجم عن عدم قدرة المجتمع على الصمود في وجه عوامل التغيير العاتية.
التمعن في واقع مجتمعاتنا الإسلامية يكشف أنها لا تزال تحافظ على كثير من القيم، كالتواصل بين أفراد العائلة الواحدة الذي يصل إلى حد العيش تحت سقف منزل واحد، وهذا خلاف ما يحدث في مجتمعات أخرى، حين يضطر البنون إلى الخروج من منزل الأبوين. كما أن من صور الحميمية والتآزر الوقوف مع من يحتاج إلى الوقوف معه، في حال الأزمات، كالمرض أو الإفلاس المادي، إضافة إلى أن صور التلاحم تظهر في مناسبات الفرح، كما يحدث من دعم للعريس عند زواجه، أما احترام الكبير وتوقيره، خاصة الأبوين، فيمثل تاج القيم. هذه الصور الجميلة للممارسات الإيجابية لم تكن لتصمد في وجه رياح التغيير العاتية التي تتعرض لها المجتمعات، في كل أنحاء العالم لولا أن القيم الحاثة عليها مصدرها ديني يتعلمها الناشئة منذ الصغر في المدرسة، وفي البيت والمسجد. إن استمرار قوة العلاقات الاجتماعية تتطلب العناية بالمناهج الدراسية بما يعنيه ذلك من عرض نماذج تاريخية، أو معاصرة تتجسد في تصرفاتها قيم الإيثار ومشاركة الآخرين مشاعرهم الوجدانية، والوقوف معهم في الظروف التي يمرون بها؛ حتى لا يشعروا بالعزلة والغربة.  
ممارسات الترقيع التي تحدث في بعض المجتمعات، كما في الأصدقاء المستعارين أشك في جدواها، فمن يقوم بها يعدها مهنة يجني منها المال فقط، ولن يشعر بالشعور الحقيقي لمن تقدم له الخدمة، سواء كانت المناسبة فرحا، أو ترحا، مثله في ذلك مثل النائحة المستعارة، لن تشعر بشعور الفقد والحزن الذي يشعر به أهل الفقيد، مهما افتعلت البكاء، وتظاهرت بالحزن، وفي أدبنا العربي كثير مما يمجد الصداقة الحقيقية، وليست المفترضة كما في "الصديق وقت الضيق"، وكما في قول الشاعر:


جزى الله الشدائد كل خير          


عرفت بها عدوي من صديقي

إنشرها