ثقافة وفنون

الدبلوماسية الثقافية .. نشر الإشعاع السعودي إلى ما وراء الحدود

تفردت وزارات الخارجية حول العالم أولوية كبرى للدبلوماسية الثقافية، كوسيلة اتصال أساسية بين الشعوب، إذ تمد جسور التواصل بينها، وتلقي بثقلها على القوة السياسية فتمنحها تأثيرا أوسع.
وبالتوازي مع التأثير السياسي، تكشف التجارب العالمية أن الدبلوماسية الثقافية في جوانبها المختلفة تدر مداخيل وعوائد كبيرة وصادرات عابرة للحدود، كما تؤثر في الرأي العام والمجتمعات الخارجية، وتزيد من أعداد السياح، وتزيد أيضاً من جاذبية النظام التعليمي والدراسة الجامعية في تلك البلدان.

نجاعة التجربة الفرنسية

تعد فرنسا من أكثر دول العالم اهتماماً بالدبلوماسية الثقافية، فبحسب موقع وزارة الخارجية الفرنسية على الإنترنت، فإن السياسة الثقافية الخارجية تسعى إلى التعريف بثقافة بلادهم بشتى الطرق، ونظمت من أجل ذلك أكثر من 50 ألف تظاهرة ثقافية سنوياً.
يتضمن هذا الرقم الهائل التعريف بعناصر الثقافة الفرنسية وأعمال الفنانين الفرنسيين في الخارج، ودعم مجالات الموسيقى، والرقص، والأدب، والمسرح، والسيرك، وفنون الشوارع، والعروض الحية، والفنون البصرية وتنظيم الملتقيات والمهرجانات، واستقبال الثراء الثقافي للبلدان الأخرى مقابل إشعاع ثقافة فرنسا إلى ما وراء الحدود.
ولا شك أن هذه الدبلوماسية تؤتي ثمارها بشكل فريد، من خلال 101 معهد فرنسي، و125 فرعاً للمعاهد الفرنسية، ونحو 400 مركز ثقافي، و27 معهد بحوث في الخارج، حيث تشرف عليها 161 إدارة تعاون ونشاط ثقافي وعشرة إدارات معنية بالعلم والتقنية، إضافة إلى 839 مساعدا تقنيا، من بينهم 694 موظفا متعاقدا مع وزارة الخارجية و145 متطوعا دوليا، ومكاتب لوكالات، هذا إلى جانب 478 مدرسة فرنسية في الخارج.
وبعيداً عن المكاسب الدبلوماسية الثقافية والسياسية التي لا تقاس أو تثمّن، فإن العوائد المادية التي حققتها الأنشطة الثقافية بلغت أرقاماً قياسية، حيث تفيد الإحصائيات الرسمية أن واحدة من كل ثلاث أسطوانات موسيقى لفناني فرنسا تباع خارج البلاد، فيما تعد فرنسا ثاني مُصدّر للأفلام في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ويعود ذلك بمداخيل على هذه الصناعة، وكذلك الكتب، التي تحقق مبيعات تبلغ ثلاثة مليارات يورو سنوياً، تحتل بدورها المرتبة الثانية من حيث الصادرات الفرنسية في مجال الممتلكات الثقافية، فيما تمثل الأسواق الأجنبية 25 في المائة من حجم أعمال دور النشر الفرنسية.
ولا تقف الدبلوماسية الثقافية الفرنسية عند الفنون، بل تتجاوزها إلى وسائل الإعلام الدولية، مثل قناة تي في 5 موند "التي يشاهدها أكثر من 220 مليون أسرة يومياً"، وقناة فرانس 24 "زهاء 200 مليون أسرة يوميا"، وإذاعة فرنسا الدولية ومحطتها الفرعية الناطقة بالعربية "مونتي كارلو الدولية" التي يستمع إليها 50 مليون شخص أسبوعياً.
فنون دبلوماسية

كانت بريطانيا من أوائل الدول التي برزت في فن الدبلوماسية الثقافية طوال أكثر من نصف قرن، من خلال محطة BBC، التي نجحت في تقديم السياسة والقيم البريطانية أكثر مما نجحت فيه السفارات البريطانية حول العالم، والأمر ذاته ينطبق على قناة "روسيا اليوم" التي تبث بلغات عدة، إضافة إلى ما تقدمه من فلكلور روسي، وسينما وتراث ومسرح.
اليابان بدورها استطاعت أن تغزو العالم برسوم "المانجا" والرسوم المتحركة، ونجحت في نشر القيم والتقاليد اليابانية، ما أكسبها سمعة طيبة نالت احترام وإعجاب الشعوب.
عربياً، كانت الإمارات العربية المتحدة شغوفة بممارسة الدبلوماسية الثقافية، واكتسبت سمعة عالمية، صعدت بتجارتها الخارجية، ورفعت من مستوى استقطابها السياح من كل القارات.

البعثات والمنح الدراسية

خلال مسيرتها عملت المملكة على دعم دبلوماسيتها الثقافية، من خلال البعثات والمنح الدراسية التي تقدمها للطلاب من مختلف أنحاء العالم، وتمكنت من نشر الثقافة السعودية بدرجة متوسطة، وأثّرت في آلاف من الطلاب الذين نهلوا العلوم من الجامعات والكليات السعودية.
كما كان للمملكة دور بارز في نشر التعليم في الدول الإسلامية، عبر معاهد تعليم اللغة العربية، التي أثرت في حياة الملايين، وقدمت دوراتها لمختلف الفئات، وتمكنت من التعريف بالثقافتين السعودية، والعربية عامة.
وفي هذا المناخ، حفلت وزارة الخارجية السعودية بمجموعة من السفراء والدبلوماسيين الذين ارتبطت أسماؤهم بالثقافة والأدب، وكان لهم دور لا يستهان به في ممارسة الدبلوماسية الثقافية، مثل الراحل الدكتور غازي القصيبي، والشاعر والأديب الدكتور عبدالعزيز خوجة، والشاعر والقاص حسن عبدالله القرشي، والشاعر محمد الفهد العيسى، والمؤرخ خير الدين الزركلي، والشاعر محمد حسن فقي، والشاعر فؤاد عبدالحميد الخطيب، وكان لهؤلاء النخبة الثقافية دور في رسم أجمل صورة لوطنهم وهم في مواقعهم.
ورغم الجهود المبذولة على مستوى الدبلوماسية الثقافية، إلا أنها غير كافية؛ فمفهوم الدبلوماسية الثقافية يتجاوز مسألة التبادل الثقافي، أو المنح التعليمية في الجامعات ودعم طلبة العلم، فالثقافة السعودية قادرة بثرائها المعرفي والحضاري على التأثير في العالم أكثر من أي وقت مضى، والدخول في قائمة الخمسة الكبار التي أثرت في الثقافة العالمية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وإيطاليا، وفرنسا وإسبانيا، وفق تصنيف مؤسسة "يو أس نيوز آند وورلد ريبورت".

أنماط جديدة

صناعة الدبلوماسية الثقافية تستند إلى تقديم ثقافة الوطن إلى الخارج، والتعريف بالمبدعين والتراث الحضاري والإنساني وقيم المجتمع، من خلال أفكار ووسائل وأنماط جديدة، ما يسهم في بناء صورة ثقافية إيجابية وجذابة في أذهان الشعوب.
المعاهد والمدارس بالطبع لديها تأثير كبير، ولكي ننعش النشاط الثقافي يجب بناء جسور من التواصل مع الثقافات الأخرى، وترسيخ الصورة الذهنية الطيبة للسعوديين من خلال مواسم ثقافية، ومهرجانات تعزز الحوار وتقرّب بين الشعب السعودي ونظيره مستضيف الفعالية.
على نحو آخر، تعد الحفلات الموسيقية للفنانين السعوديين خارج المملكة إحدى الفعاليات المشوقة والمؤثرة، فالناس حول العالم تستمتع بالموسيقى، وإن كانوا لا يفهمون كلماتها، ومن أمثلة ذلك النجاح المبهر لأغنية "ديسباسيتو" للمغنيين البورتوريكيين لويس فونسي ودادي يانكي، أو أغنية "جانجنام ستايل" لمغني الراب الكوري الجنوبي "ساي".
وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أهمية دعم ترجمة الإصدارات السعودية ونشرها، وتدريب أجيال جديدة من المترجمين للغات المطلوبة مثل الإنجليزية، الفرنسية، الصينية، الإسبانية، البرتغالية والروسية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون