ثقافة وفنون

صور تصنع الحدث .. وأخرى تتلاعب به

في عالمنا المعاصر نلحظ الواقع يتمدد بتمدد شبكة التواصل الاجتماعي، لم يعد بالإمكان الحديث عن واقع اجتماعي في مقابل واقع افتراضي "بنية السوشيال ميديا".
صار الواقعان متداخلين ومتمازجين، بحسب ورقة الباحث المغربي حمودة إسماعيل لدرجة أنه لا يمكن تخيل واقع منفرد بإطاره، فنقل "مظاهر" الواقع الاجتماعي إلى شبكة التواصل يؤثر كانعكاس في هذا الواقع الاجتماعي ويغيره، وهذا الأخير يغذي الشبكة باستمرار، ما يجعل الأمر متداخلاً في عملية تبادل وأخذ ورد، أي: تكامل واندماج. تنبني الشبكة الافتراضية على ما هو مرئي، بهذا تعتمد على الصورة، بعكس الواقع الاجتماعي يذهب بالمرئي نحو التجربة، والواقع الاجتماعي المعيش.
انطلاقا من ذلك تغذي التجربة الاجتماعية الشبكة الافتراضية بما هو مرئي، وليس بما هو معيش، دون أن ننسى أن المرئي يعود ليؤثر بقوة فيما هو معيش.
ولتفسير أبسط حتى تتضح لنا العملية هنا: فأنا حينما أنقل إليك حدثاً، الذي يصلك كخبر مرئي، يصلك كصورة وليس كحدث، يجب أن نعي أن الصورة مجرد مقطع، أما الحدث فهو بنية مفاهيمية.
الصورة دليل يستدعي ويتطلب تأويلات لردع نقص التفاصيل، أما الحدث فوفرة تفاصيله تؤسس للحكم، يحدث الإشكال في بناء الأحكام على الصور، وليس على المفهومية التاريخية للحدث، فالأمر يشبه - كتوضيح للاختلاف - ذلك القاضي الذي يحكم على المتهم في جريمة قتل بناء على صورة لهذا المتهم، وهو يمر أو يخرج من بيت الضحية ليلة الجريمة. الصورة هنا مجرد مقطع، ولا يمكن بناء حكم عليها إلا على أساس سدها ثغرة أحداث متسلسلة ومتماسكة.
الأمر نفسه يتعلق بواقعنا الراهن، فبتداخل الواقعين، الواقع الاجتماعي والآخر الافتراضي، فإننا صرنا نتلقى المرئيات كأحداث، نحن لم نعِش ما شاهدنا أو ما تبثه الشبكة، فكيف بالإمكان بناء أحكام ثابتة وقاطعة حول ما يمكن أن يكون صورة مزيفة أو عملية حشو متعمدة للتلاعب بالرأي، وإمالة كفة على حساب كفة، أو لحساب جهة.
تخدمنا الشبكة في إيصال صور تدل على حدث، سواء تعلق الأمر بالاهتمامات الشخصية، كصور السفر والحب والصداقات والإكسسوارات كدلالة على أحداث السعادة، أو على المستوى العام كصور الاختلالات الإدارية والعنف الاجتماعي أو السياسي، فقد يهدف الأمر هنا إلى تقريب الحدث للمشاهد، كبغية التضامن العاطفي والمؤسسي، لكن قد يخدم أيديولوجية نفعية تفيد جهة معينة، أو غرضاً شخصياً من بناء حكم مشوه، وذلك انطلاقاً من مشهد انفعالي مبتور، يستفز حياد المتلقي.
طبعاً إن أقرب وسيلة في واقعنا الراهن للتأثير في الأحداث، بتسريعها أو إبطائها، هي عبر الصورة واستهداف الشبكة الافتراضية، من هنا تصبح الصورة أهم من الحدث، طالما أنها تبلغ من القوة للتدخل في الحدث، تغييره أو حتى إنتاجه بالصيغة المرغوبة.
تتطلب الشبكة تعاملاً مرناً، أي الوعي بأن الصورة لا تقدم الحقيقة، إنما تقدم جزءاً من الحقيقة، قد يعكس الجزء الآخر/ المفقود/ الغائب عند حضوره الفهم أو الحكم الذي كوَّناه بناء على الجزء المسبق.
يلزم الاستفادة من وفرة المعلومات وتدفق الصور وتعارض زوايا البث، في بناء أحكام موضوعية تخدم واقعنا بشكل عام، وكينونتنا النفسية بشكل خاص.. في أن نتطلع لما أبعد من ابتسامات الصور، التي قد تخفي خصومات، أو تضحيات إنسانية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون