FINANCIAL TIMES

كيف تنبأ آدم سميث بقوة شركات التكنولوجيا الكبيرة؟

أجرى يانيس فاروفاكيس، وزير المالية اليوناني الأسبق، وجيريمي كوربين، زعيم حزب العمال البريطاني، حوارا عاما هذا الأسبوع في مهرجان أدنبره للكتاب. كان فاروفاكيس جيدا – بما يكفي لاستحقاقه لسمعته المتنامية باعتباره الاشتراكي المفضل لدى الرأسمالي المفكر.
من الواضح أنه من مشجعي آدم سميث. الجمهور الذي قرأ أيا من كتابي سميث المشهورين، "نظرية المشاعر الأخلاقية" المنشور عام 1759، أو "ثروة الأمم" المنشور عام 1776، كان سيكتشف العديد من الإحالات إلى الكتابين. لكن أبرز أوجه التشابه ظهرت في غضب فاروفاكيس من بروز قوة الشركات، واحتكار القلة، والاحتكار عموما، وهو ما كان يشعر سميث بالقلق تجاهه باستمرار.
أحد أقواله المعروفة يتناول هذا الموضوع بالذات. كتب يقول: "نادرا ما يجتمع الناس من المهنة نفسها معا، حتى من أجل الابتهاج والتسلية، إلا وينتهي الحوار إلى مؤامرة ضد الجمهور، أو إلى حيلة معينة بهدف رفع الأسعار". كلما قل عدد اللاعبين في الصناعة، ازدادت قوة هؤلاء اللاعبين، وازداد تماسكهم فيما بينهم، وأصبح من الأسهل إطلاق "المؤامرة" وأن يتعرض الشخص العادي للتمييز ضده.
سيكون من اللطيف الاعتقاد أنه خلال الـ 228 عاما التي انقضت منذ وفاة سميث أن الرأسمالية شهدت عملية صقل بحيث لم يعد علينا أن نقلق بشأن شيء من هذا القبيل. لكن الأمر ليس كذلك. عبر تقرير حديث من صندوق النقد الدولي عن أسفه للارتفاع الحاد في "الثروة والقوة الاقتصادية" للشركات الكبرى في قطاعات تبدأ من القطاع الواضح والذي يدور حوله نقاش كبير، التكنولوجيا، إلى شركات الطيران والأدوية وتدقيق الحسابات.
استندت الأدلة على تتبع متوسطات هوامش الربح التي تضاف على السلع والخدمات التي تقدمها الشركات المدرجة في 74 دولة. هذا هو مدى الذي يمكن للشركة أن ترفع إليه أسعارها مقارنة بتكلفتها، وهو مقياس واضح وبسيط لقوتها في السوق.
تظهر النتائج، كما يقول صندوق النقد الدولي، بعض الأمور المقلقة. أولا، ازدادت نسب هوامش الربح المضافة في الاقتصادات المتقدمة زيادة كبيرة منذ الثمانينيات (43 في المائة في المتوسط)، وأن هذا الاتجاه تسارع في السنوات العشر الأخيرة، وأن الزيادة مدفوعة في الغالب من قبل الشركات "اللامعة" في كل قطاع.
هذا مهم جزئيا لأن القوة السوقية المركزة بشكل مفرط ترتبط بتراجع الاستثمار والابتكار، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن من الممكن أن يكون تركيز السوق أحد الأمور التي تضغط على الأجور إلى الأدنى في الغرب. يقول صندوق النقد الدولي إن "حصة اليد العاملة من الدخل تنخفض في الصناعات التي ترتفع فيها قوة السوق".
لكن هذا مهم في الغالب لأنه يبدو أنه يمثل إخفاقا واضحا للرأسمالية. في بيئة مثالية مع عدم وجود عوائق أمام الدخول في شكل قوانين تنظيمية، والوصول إلى رأس المال وجمعيات الصناعة، لن تبقى الشركات اللامعة الضخمة موجودة لفترة طويلة. السبب في ذلك هو أن كثيرا من الشركات الناشئة سوف تتنافس معها في مجالاتها التي تختص بها وتضعف قوتها، وسوف تنتشر الثروة مرة أخرى، وهذا سينهي الإشكال.
في بيئة اليوم، هذا لا يحدث. ربما يكون هذا بسبب القوانين التنظيمية، أو ممارسات الضغط الذي لا نهاية له من قبل الشركات الكبرى. وفقا لـ lobbyfacts.eu، كان لجوجل، مثلا، 120 اجتماعا للضغط مع مفوض، أو عضو مجلس وزراء، أو مدير عام في الاتحاد الأوروبي في الفترة بين 2014 و2016. ويلعب تأثير شبكات التكنولوجيا الجديدة دوره.
في الولايات المتحدة كان معدل تأسيس الشركات الجديدة أقل كثيرا مما كان عليه قبل الأزمة المالية. في الوقت نفسه، الشركات الكبيرة تصبح أكبر. والنتيجة هي تصور محبط مفاده أن الرأسمالية تفعل بالضبط ما قال كارل ماركس إنها ستفعله. فهي تدفع بالثروة نحو القلة، وهو شيء من المؤكد أنه أحد الدوافع الرئيسية لتحول المشاعر نحو الاشتراكية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتظهر استطلاعات الرأي أن نحو نصف جيل الألفية من الأمريكيين يعتقدون أنهم يفضلون العيش في مجتمع اشتراكي على العيش في مجتمع رأسمالي.
والخبر السار هو أن هذا "التغيير الظاهري في هيكل السوق" يتسبب في المقدار الصحيح من الشعور بالضيق والاستياء بين الذين يملكون القدرة على تغييره. مثلا، هذا كان على جدول أعمال ندوة البنوك المركزية في جاكسون هول في نهاية الأسبوع. لكن الحل غير واضح. لم يكن سميث يريد أن يتم التعامل مع ابتهاج الشركات بأي طريقة لا تتفق مع "الحرية أو العدالة". لكن بالنظر إلى أن الجميع في معظم النقاشات في الوقت الحاضر – سواء كانوا يعتبرون رأسماليين أو اشتراكيين – يوافقون على أنهم معادون لاحتكار القلة، وأنهم يؤيدون وجود حصة عادلة لليد العاملة، فلا بد أن الوقت الحاضر هو الوقت المناسب لإعادة تصور السياسة الصناعية. ينبغي ألا يكون الهدف هو "اختيار الفائزين"، وإنما اجتثاث النوع الخطأ من الفائزين.
في المستقبل القريب قد لا تكون هناك حاجة ماسة إلى القلق، مثلا، بشأن شركات التكنولوجيا المهيمنة، لأنه بصرف النظر عن المخاوف حول البيانات والحجج الضريبية، فإن منتجاتها تقدم أشياء رائعة للمستهلكين. لكن لو كان هناك مسؤول متخصص ضد "رأسمالية المحاسيب" فإنه سيجد أن هناك حجة لإقرار قوانين تقضي بتفكيك شركات المحاسبة، من خلال منعها من الجمع بين أعمال تدقيق الحسابات وتمويل الشركات، وربما حجة للحد من ممارسة الضغط من جانب الشركات.
وفي كلتا الحالتين، حقيقة أن أصدقاء الرأسمالية وأعدائها ينظرون إلى المشاكل نفسها القابلة للحل تماما، هي بالتأكيد نوع من التقدم.

*رئيسة تحرير مجلة "موني ويك" Money Week
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES